صفحة جزء
[ ص: 163 ] باب ما يؤمر به الإمام من التخفيف

1046 - ( عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ، فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير . فإذا صلى لنفسه فليطول ما شاء } رواه الجماعة إلا ابن ماجه ، لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص ) .

1047 - ( وعن أنس قال : { كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤخر الصلاة ويكملها } .

وفي رواية : { ما صليت خلف إمام قط أخف صلاة ولا أتم صلاة من النبي صلى الله عليه وسلم } متفق عليهما ) .

1048 - ( وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه } رواه الجماعة إلا أبا داود والنسائي لكنه لهما من حديث أبي قتادة ) .


قوله : ( فليخفف ) قال ابن دقيق العيد : التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية ، فقد يكون الشيء خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم ، طويلا بالنسبة إلى عادة آخرين . قال : وقول الفقهاء : لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات ، لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك ; لأن رغبة الصحابة في الخير لا تقتضي أن يكون ذلك تطويلا .

قوله : ( فإن فيهم ) في رواية في البخاري للكشميهني : " فإن منهم " وفي رواية : " فإن خلفه " وهو تعليل للأمر بالتخفيف ، ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم من يتصف بإحدى الصفات المذكورات لم يضر التطويل ، ويرد عليه أنه يمكن أن يجيء من يتصف بأحدها بعد الدخول في الصلاة . وقال اليعمري : الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة ، فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا . قال : وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر ، وهي مع ذلك تشرع ولو لم تشق عملا بالغالب ; لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك .

قوله : ( فإن فيهم الضعيف والسقيم والكبير ) المراد بالضعيف هنا : ضعيف الخلقة ، وبالسقيم من به مرض .

وفي رواية للبخاري : { فإن منهم المريض والضعيف } والمراد بالضعيف في هذه الرواية : ضعيف الخلقة بلا شك . وفي رواية للبخاري أيضا [ ص: 164 ] عن ابن مسعود : { فإن فيهم الضعيف والكبير وذا الحاجة } وكذلك في رواية أخرى له من حديثه ، والمراد بالضعيف في هاتين الروايتين المريض ، ويصح أن يراد من فيه ضعف ، وهو أعم من الحاصل بالمرض أو بنقصان الخلقة . وزاد مسلم من وجه آخر في حديث أبي هريرة : " والصغير " وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص : " والحامل والمرضع " . وله من حديث عدي بن حاتم : " والعابر السبيل " .

قوله : ( فليطول ما شاء ) ولمسلم : " فليصل كيف شاء " أي مخففا أو مطولا . واستدل بذلك على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت ، وهو المصحح عند بعض الشافعية . قال الحافظ : وفيه نظر ; لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة : { إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى } أخرجه مسلم .

وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ، ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كان مراعاة ترك المفسدة أولى . واستدل بعمومه أيضا على جواز تطويل الاعتدال من الركوع وبين السجدتين . قوله : ( لكنه له من حديث عثمان بن أبي العاص ) في إسناده محمد بن عبد الله القاضي ، ضعفه الجمهور ووثقه ابن معين وابن سعد . وقد أخرج حديث عثمان المذكور مسلم في صحيحه .

قوله : ( يؤخر الصلاة ويكملها ) فيه أن مشروعية التخفيف لا تستلزم أن تبلغ إلى حد يكون بسببه عدم تمام أركان الصلاة وقراءتها ، وأن من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم في الإيجاز والإتمام لا يشتكى منه تطويل . وروى ابن أبي شيبة أن الصحابة كانوا يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة ، فبين العلة في تخفيفهم . قوله : ( إني أدخل في الصلاة ) في رواية للبخاري : " إني لأقوم في الصلاة " .

قوله : ( وأنا أريد إطالتها ) فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشيء مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلافا لأشهب . قوله : ( فأسمع بكاء الصبي ) فيه جواز إدخال الصبيان المساجد ، وإن كان الأولى تنزيه المساجد عمن لا يؤمن حدثه فيها لحديث : " جنبوا مساجدكم " وقد تقدم .

قوله : ( فأتجوز ) فيه دليل على مشروعية الرفق بالمأمومين وسائر الأتباع ومراعاة مصالحهم ، ودفع ما يشق عليهم وإن كانت المشقة يسيرة وإيثار تخفيف الصلاة للأمر يحدث ، قوله : ( لكنه لهما من حديث أبي قتادة ) هو في البخاري ولفظه : { إني لأدخل في الصلاة فأريد إطالتها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز مما أعلم من شدة وجد أمه من بكائه } وأحاديث الباب تدل على مشروعية التخفيف للأئمة وترك التطويل للعلل المذكورة من الضعف والسقم والكبر والحاجة واشتغال خاطر أم الصبي ببكائه ، ويلحق بها ما كان فيه معناها .

قال أبو عمر بن عبد البر : التخفيف لكل إمام أمر مجمع عليه ، مندوب عند العلماء إليه ، إلا أن ذلك إنما هو أقل الكمال . وأما الحذف والنقصان فلا " ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قد نهى عن نقر الغراب ، ورأى رجلا يصلي فلم يتم ركوعه ، [ ص: 165 ] فقال له : ارجع فصل فإنك لم تصل ، وقال : لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده } ثم قال : لا أعلم خلافا بين أهل العلم في استحباب التخفيف لكل من أم قوما على ما شرطنا من الإتمام . وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال : " لا تبغضوا الله إلى عباده ، يطول أحدكم في صلاته حتى يشق على من خلفه " انتهى . وقد ورد في مشروعية التخفيف أحاديث غير ما ذكره المصنف منها : عن عدي بن حاتم عند ابن أبي شيبة . وعن سمرة عند الطبراني . وعن مالك بن عبد الله الخزاعي عند الطبراني أيضا . وعن أبي واقد الليثي عند الطبراني أيضا . وعن ابن مسعود عند البخاري ومسلم . وعن جابر بن عبد الله عند البخاري ومسلم أيضا . وعن ابن عباس عند ابن أبي شيبة . وعن حزم بن أبي بن كعب الأنصاري عند أبي داود . وعن رجل من بني سلمة يقال له سليم من الصحابة عند أحمد . وعن بريدة عند أحمد أيضا . وعن ابن عمر عند النسائي . .

التالي السابق


الخدمات العلمية