صفحة جزء
أبواب الإمامة وصفة الأئمة

باب من أحق بالإمامة

1077 - ( عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم } رواه أحمد ومسلم والنسائي ) .

1078 - ( وعن أبي مسعود عقبة بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ، ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه } وفي لفظ : { لا يؤمن الرجل الرجل في أهله ولا سلطانه } وفي لفظ : " سلما " بدل " سنا " . روى [ ص: 188 ] الجميع أحمد ومسلم . ورواه سعيد بن منصور لكن قال فيه : { لا يؤم الرجل الرجل في سلطانه إلا بإذنه ، ولا يقعد على تكرمته في بيته إلا بإذنه } ) .


قوله : ( إذا كانوا ثلاثة ) مفهوم العدد هنا غير معتبر لما سيأتي في حديث مالك بن الحويرث قوله : ( وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ) وقوله في الحديث الآخر { يؤم القوم أقرؤهم } فيه حجة لمن قال : يقدم في الإمامة الأقرأ على الأفقه وإليه ذهب الأحنف بن قيس وابن سيرين والثوري وأبو حنيفة وأحمد وبعض أصحابهما . وقال الشافعي ومالك وأصحابهما والهادوية : الأفقه مقدم على الأقرإ .

قال النووي : لأن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط ، والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط ، وقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصواب فيه إلا كامل الفقه . وأجابوا عن الحديث بأن الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه . قال الشافعي : المخاطب بذلك الذين كانوا في عصره كان أقرؤهم أفقههم ، فإنهم كانوا يسلمون كبارا ويتفقهون قبل أن يقرءوا فلا يوجد قارئ منهم إلا وهو فقيه ، وقد يوجد الفقيه وهو ليس بقارئ ، لكن قال النووي وابن سيد الناس : إن قوله في الحديث : { فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة } دليل على تقديم الأقرأ مطلقا . وبه يندفع هذا الجواب عن ظاهر الحديث ; لأن التفقه في أمور الصلاة لا يكون إلا من السنة ، وقد جعل القارئ مقدما على العالم بالسنة . وأما ما قيل من أن الأكثر حفظا للقرآن من الصحابة أكثرهم فقها فهو وإن صح باعتبار مطلق الفقه لا يصح باعتبار الفقه في أحكام الصلاة لأنها بأسرها مأخوذة من السنة قولا وفعلا وتقريرا ، وليس في القرآن إلا الأمر بها على جهة الإجمال وهو مما يستوي في معرفته القارئ للقرآن وغيره .

وقد اختلف في المراد من قوله : " يؤم القوم أقرؤهم " فقيل المراد أحسنهم قراءة وإن كان أقلهم حفظا ، وقيل : أكثرهم حفظا للقرآن . ويدل على ذلك ما رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح عن عمرو بن سلمة أنه قال : { انطلقت مع أبي إلى النبي صلى الله عليه وسلم بإسلام قومه ، فكان فيما أوصانا : ليؤمكم أكثركم قرآنا ، فكنت أكثرهم قرآنا فقدموني } وأخرجه أيضا البخاري وأبو داود والنسائي وسيأتي في باب ما جاء في إمامة الصبي قوله : ( فإن كانوا في القراءة سواء ) أي استووا في القدر المعتبر منها إما في حسنها أو في كثرتها وقلتها على القولين ، ولفظ مسلم : " فإن كانت القراءة واحدة " قوله : ( فأعلمهم بالسنة ) فيه أن مزية العلم مقدمة على غيرها من المزايا الدينية قوله : ( فأقدمهم هجرة ) الهجرة المقدم بها في الإمامة لا تختص بالهجرة في عصره صلى الله عليه وسلم ، بل هي التي لا تنقطع إلى يوم القيامة كما وردت بذلك الأحاديث وقال به الجمهور .

وأما حديث : { لا هجرة بعد الفتح } فالمراد به الهجرة من مكة إلى المدينة أو لا هجرة بعد الفتح فضلها كفضل [ ص: 189 ] الهجرة قبل الفتح ، وهذا لا بد منه للجمع بين الأحاديث . قال النووي : وأولاد من تقدمت هجرته من المهاجرين أولى من أولاد من تأخرت هجرته ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك قوله : ( فأقدمهم سنا ) أي يقدم في الإمامة من كبر سنه في الإسلام ، لأن ذلك فضيلة يرجح بها ، والمراد بقوله : " سلما " في الرواية التي ذكرها المصنف الإسلام ، فيكون من تقدم إسلامه أولى ممن تأخر إسلامه ، وجعل البغوي أولاد من تقدم إسلامه أولى من أولاد من تأخر إسلامه ، والحديث لا يدل عليه .

قوله : ( ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ) قال النووي : معناه أن صاحب البيت والمجلس وإمام المسجد أحق من غيره . قال ابن رسلان : لأنه موضع سلطنته انتهى . والظاهر أن المراد به السلطان الذي إليه ولاية أمور الناس لا صاحب البيت ونحوه ، ويدل على ذلك ما في رواية أبي داود بلفظ : { ولا يؤم الرجل في بيته ولا في سلطانه } وظاهره أن السلطان مقدم على غيره وإن كان أكثر منه قرآنا وفقها وورعا وفضلا ، فيكون كالمخصص لما قبله .

قال أصحاب الشافعي : ويقدم السلطان أو نائبه على صاحب البيت وإمام المسجد وغيرهما لأن ولايته وسلطنته عامة . قالوا : ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه قوله : ( على تكرمته ) قال النووي وابن رسلان : بفتح التاء وكسر الراء : الفراش ونحوه مما يبسط لصاحب المنزل ويختص به دون أهله ، وقيل : هي الوسادة وفي معناها السرير ونحوه .

1079 - ( وعن مالك بن الحويرث قال : { أتيت النبي صلى الله عليه وسلم أنا وصاحب لي ، فلما أردنا الإقفال من عنده قال لنا : إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما } رواه الجماعة ولأحمد ومسلم : وكانا متقاربين في القراءة ولأبي داود : وكنا يومئذ متقاربين في العلم ) . قوله : ( فلما أردنا الإقفال ) هو مصدر أقفل : أي رجع .

وفي رواية للبخاري أن مالك بن الحويرث قال : { قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم ونحن شببة ، فلبثنا عنده نحوا من عشرين ليلة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم رحيما فقال : لو رجعتم إلى بلادكم فعلمتموهم } قوله : ( وليؤمكما أكبركما ) فيه متمسك لمن قال بوجوب الجماعة ، وقد ذكرنا فيما تقدم ما يدل على صرفه إلى الندب ، وظاهره أن المراد كبر السن .

ومنهم من جوز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن والقدر ، وهو مقيد بالاستواء في القراءة والفقه كما في الروايتين الأخريين . وقد زعم بعضهم أنه معارض لقوله : { يؤم القوم أقرؤهم } ثم جمع بأن قصة [ ص: 190 ] مالك بن الحويرث واقعة عين غير قابلة للعموم ، بخلاف قوله صلى الله عليه وسلم : { يؤم القوم أقرؤهم } والتنصيص على تقاربهم في القراءة والعلم يرد عليه قوله : ( وكنا يومئذ متقاربين في العلم ) قال في الفتح : أظن في هذه الرواية إدراجا ، فإن ابن خزيمة رواه من طريق إسماعيل ابن علية عن خالد قال : قلت لأبي قلابة : فأين القراءة ؟ قال : فإنهما كانا متقاربين ، ثم ذكر ما يدل على عدم الإدراج .

1080 - ( وعن مالك بن الحويرث قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : { من زار قوما فلا يؤمهم ، وليؤمهم رجل منهم } رواه الخمسة إلا ابن ماجه . وأكثر أهل العلم أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي مسعود : " إلا بإذنه " ) .

1081 - ( ويعضده عموم ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة : عبد أدى حق الله وحق مواليه ، ورجل أم قوما وهم به راضون ، ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل ليلة } رواه الترمذي ) .

1082 - ( وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يؤم قوما إلا بإذنهم ، ولا يخص نفسه بدعوة دونهم ، فإن فعل فقد خانهم } رواه أبو داود ) .

أما حديث مالك بن الحويرث فحسنه الترمذي ، وفي إسناده أبو عطية ، قال أبو حاتم : لا يعرف ولا يسمى ، ويشهد له حديث ابن مسعود عند الطبراني بإسناد صحيح . والأثرم بلفظ : " من السنة أن يتقدم صاحب البيت " وأخرجه أحمد في مسنده وحديث عبد الله بن حنطب عند البزار والطبراني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : الرجل أحق بصدر فراشه ، وأحق بصدر دابته ، وأحق أن يؤم في بيته } وما تقدم من حديث أبي مسعود عند أبي داود بلفظ : { ولا يؤم الرجل في بيته } . وأما حديث أبي مسعود الذي أشار إليه المصنف فقد تقدم في أول الباب .

وأما حديث ابن عمر فقد حسنه الترمذي ، وفي إسناده أبو اليقظان عثمان بن عمير البجلي ، وهو ضعيف ضعفه أحمد وغيره ، وتركه ابن [ ص: 191 ] مهدي ، وقد أخرجه أيضا أحمد .

وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود ، من رواية ثور عن يزيد بن شريح الحضرمي عن أبي حي المؤذن وكلهم ثقات عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأخرجه أيضا الترمذي بهذا الإسناد عن ثوبان ولكن لفظه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : { لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن ، فإن نظر فقد دخل ، ولا يؤم قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم ، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن } وقال : حديث حسن ، ثم قال : وقد روي هذا الحديث عن يزيد بن شريح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادا وأشهر انتهى . وأخرجه أيضا أحمد عن أبي أمامة ، وفيه : { ولا يؤمن قوما فيخص نفسه بالدعاء دونهم ، فإن فعل فقد خانهم } ورواه الطبراني أيضا بلفظ : { ومن صلى بقوم فخص نفسه بدعوة دونهم فقد خانهم } .

وفي حديث أبي أمامة اختلاف ذكره الدارقطني قوله : ( { من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم } ) فيه أن المزور أحق بالإمامة من الزائر وإن كان أعلم أو أقرأ من المزور قال الترمذي : والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم ، قالوا : صاحب المنزل أحق بالإمامة من الزائر .

وقال بعض أهل العلم : إذا أذن له فلا بأس أن يصلي به . وقال إسحاق : لا يصلي أحد بصاحب المنزل وإن أذن له ، قال : وكذلك في المسجد إذا زارهم يقول : ليصل رجل منهم انتهى . وقد حكى المصنف عن أكثر أهل العلم : أنه لا بأس بإمامة الزائر بإذن رب المكان ، واستدل بما ذكره ، وقد عرفت مما سلف أن أبا داود زاد في حديث أبي مسعود : { ولا يؤم الرجل في بيته } فيصلح حينئذ قوله في آخر حديثه : " إلا بإذنه " لتقييد جميع الجمل المذكورة فيه التي من جملتها قوله : { ولا يؤم الرجل في بيته } على ما ذهب إليه جماعة من أئمة الأصول ، وقال به الشافعي وأحمد قالا : ما لم يقم دليل على اختصاص القيد ببعض الجمل .

ويعضد التقييد بالإذن عموم قوله في حديث ابن عمر " وهم به راضون " . وقوله في حديث أبي هريرة : " إلا بإذنهم " كما قال المصنف فإنه يقتضي جواز إمامة الزائر عند رضا المزور . قال العراقي : ويشترط أن يكون المزور أهلا للإمامة ، فإن لم يكن أهلا كالمرأة في صورة كون الزائر رجلا ، والأمي في صورة كون الزائر قارئا ونحوهما فلا حق له في الإمامة . .

التالي السابق


الخدمات العلمية