صفحة جزء
باب كراهة الصف بين السواري للمأموم

1139 - ( عن عبد الحميد بن محمود ، قال : { صلينا خلف أمير من الأمراء فاضطرنا الناس فصلينا بين الساريتين ، فلما صلينا قال أنس بن مالك : كنا نتقي هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم } . رواه الخمسة إلا ابن ماجه ) .

1140 - ( وعن معاوية بن قرة عن أبيه قال : { كنا ننهى أن نصف بين السواري على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطرد عنها طردا } . رواه ابن ماجه . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم { أنه لما دخل الكعبة صلى بين الساريتين } ) .


حديث أنس حسنه الترمذي . وعبد الحميد المذكور قال أبو حاتم : هو شيخ . وقال [ ص: 229 ] الدارقطني : كوفي ثقة يحتج به . وقد ضعف أبو محمد عبد الحق هذا الحديث بعبد الحميد بن محمود المذكور ، وقال : ليس ممن يحتج بحديثه قال أبو الحسن بن القطان رادا عليه : ولا أدري من أنبأه بهذا ، ولم أر أحدا ممن صنف في الضعفاء ذكره فيهم ، ونهاية ما يوجد فيه مما يوهم ضعف قول أبي حاتم الرازي وقد سئل عنه : هو شيخ ، وهذا ليس بتضعيف ، وإنما هو إخبار بأنه ليس من أعلام أهل العلم ، وإنما هو شيخ وقعت له روايات أخذت عنه . وقد ذكره أبو عبد الرحمن النسائي فقال : هو ثقة ، على شحه بهذه اللفظة ا هـ . وأما حديث معاوية بن قرة عن أبيه ففي إسناده هارون بن مسلم البصري وهو مجهول كما قال أبو حاتم . ويشهد له ما أخرجه الحاكم وصححه من حديث أنس بلفظ : { كنا ننهى عن الصلاة بين السواري ونطرد عنها ، وقال : لا تصلوا بين الأساطين وأتموا الصفوف } . وأما صلاته صلى الله عليه وسلم لما دخل الكعبة بين الساريتين فهو في الصحيحين من حديث ابن عمر وقد تقدم ، والحديثان المذكوران في الباب يدلان على كراهة الصلاة بين السواري

وظاهر حديث معاوية بن قرة عن أبيه وحديث أنس الذي ذكره الحاكم أن ذلك محرم . والعلة في الكراهة ما قاله أبو بكر بن العربي من أن ذلك إما لانقطاع الصف . أو لأنه موضع جمع النعال . قال ابن سيد الناس والأول أشبه لأن الثاني محدث . قال القرطبي : روي أن سبب كراهة ذلك أنه مصلى الجن المؤمنين . وقد ذهب إلى كراهة الصلاة بين السواري بعض أهل العلم

قال الترمذي : وقد كره قوم من أهل العلم أن يصف بين السواري ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقد رخص قوم من أهل العلم في ذلك انتهى . وبالكراهة قال النخعي . وروى سعيد بن منصور في سننه النهي عن ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وحذيفة . قال ابن سيد الناس : ولا يعرف لهم مخالف في الصحابة

ورخص فيه أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن المنذر قياسا على الإمام والمنفرد . قالوا : وقد ثبت { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة بين ساريتين } . قال ابن رسلان : وأجازه الحسن وابن سيرين

وكان سعيد بن جبير وإبراهيم التيمي وسويد بن غفلة يؤمون قومهم بين الأساطين وهو قول الكوفيين ، قال ابن العربي : ولا خلاف في جوازه عند الضيق ، وأما عند السعة فهو مكروه للجماعة ، فأما الواحد فلا بأس به ، وقد صلى صلى الله عليه وسلم في الكعبة بين سواريها انتهى . وفيه أن حديث أنس المذكور في الباب إنما ورد في حال الضيق لقوله " فاضطرنا الناس " ، ويمكن أن يقال : إن الضرورة المشار إليها في الحديث لم تبلغ قدر الضرورة التي يرتفع الحرج معها

وحديث قرة ليس فيه إلا ذكر النهي عن الصف بين السواري ، ولم يقل : كنا ننهى عن الصلاة بين السواري . ففيه دليل على التفرقة بين الجماعة والمنفرد ، ولكن حديث أنس الذي ذكره الحاكم فيه النهي عن مطلق الصلاة ، [ ص: 230 ] فيحمل المطلق على المقيد . ويدل على ذلك صلاته صلى الله عليه وسلم بين الساريتين فيكون النهي على هذا مختصا بصلاة المؤتمين بين السواري دون صلاة الإمام والمنفرد ، وهذا أحسن ما يقال ، وما تقدم من قياس المؤتمين على الإمام والمنفرد فاسد الاعتبار لمصادمته لأحاديث الباب .

التالي السابق


الخدمات العلمية