صفحة جزء
باب جمع المقيم لمطر أو غيره

1175 - ( عن ابن عباس رضي الله عنهما : { أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر والعصر والمغرب والعشاء } . متفق عليه .

وفي لفظ للجماعة إلا البخاري وابن ماجه : { جمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر } ، قيل لابن عباس : ما أراد بذلك ؟ قال : أراد أن لا يحرج أمته ) .

.
[ ص: 257 ] الحديث ورد بلفظ : " من غير خوف ولا سفر " وبلفظ : " من غير خوف ولا مطر " ، قال الحافظ : على أنه لم يقع مجموعا بالثلاثة في شيء من كتب الحديث ، بل المشهور : " من غير خوف ولا سفر " . قوله : ( سبعا وثمانيا ) أي سبعا جميعا وثمانيا جميعا كما صرح به البخاري في رواية له ذكرها في باب وقت المغرب . قوله : ( أراد أن لا يحرج أمته ) قال ابن سيد الناس قد اختلف في تقييده ، فروي يحرج بالياء المضمومة آخر الحروف وأمته منصوب على أنه مفعوله ، وروي تحرج بالتاء ثالثة الحروف مفتوحة ، وضم أمته على أنها فاعله ومعناه : إنما فعل تلك لئلا يشق عليهم ويثقل ، فقصد إلى التخفيف عنهم . وقد أخرج ذلك الطبراني في الأوسط والكبير ، ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن مسعود بلفظ : { جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، فقيل له في ذلك ، فقال : صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي } وقد ضعف بأن فيه ابن عبد القدوس وهو مندفع ، لأنه لم يتكلم فيه إلا بسبب روايته عن الضعفاء وتشيعه والأول غير قادح باعتبار ما نحن فيه ، إذ لم يروه عن ضعيف ، بل رواه عن الأعمش كما قال الهيثمي . والثاني ليس بقدح معتد به ما لم يجاوز الحد المعتبر ولم ينقل عنه ذلك . على أنه قد قال البخاري : إنه صدوق . وقال أبو حاتم : لا بأس به .

وقد استدل بحديث الباب القائلون بجواز الجمع مطلقا بشرط أن لا يتخذ ذلك خلقا وعادة . قال في الفتح : وممن قال به ابن سيرين وربيعة وابن المنذر والقفال الكبير ، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث ، وقد رواه في البحر عن الإمامية والمتوكل على الله أحمد بن سليمان والمهدي أحمد بن الحسين ورواه ابن مظفر في البيان عن علي عليه السلام وزيد بن علي والهادي وأحد قولي الناصر وأحد قولي المنصور بالله ولا أدري ما صحة ذلك ، فإن الذي وجدناه في كتب بعض هؤلاء الأئمة وكتب غيرهم يقضي بخلاف ذلك . وذهب الجمهور إلى أن الجمع لغير عذر لا يجوز . وحكى في البحر عن البعض أنه إجماع ، ومنع ذلك مسندا بأنه قد خالف في ذلك من تقدم .

واعترض عليه صاحب المنار بأنه اعتداد بخلاف حادث بعد إجماع الصدر الأول . وأجاب الجمهور عن حديث الباب بأجوبة : منها أن الجمع المذكور كان للمرض وقواه النووي . قال الحافظ : وفيه نظر ، لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من له نحو ذلك العذر . والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه ، وقد صرح بذلك ابن عباس في روايته . ومنها أنه كان في غيم فصلى الظهر ، ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت العصر قد دخل فصلاها . قالالنووي : وهو باطل ، لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء . قال الحافظ : وكأن نفيه الاحتمال مبني على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد .

[ ص: 258 ] والمختار عنه خلافه ، وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء وعلى هذا فالاحتمال قائم . ومنها أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها . قال النووي : وهذا احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل .

قال الحافظ : وهذا الذي ضعفه قد استحسنه القرطبي ورجحه إمام الحرمين ، وجزم به من القدماء ابن الماجشون والطحاوي ، وقواه ابن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن ابن عباس قد قال به . قال الحافظ أيضا : ويقوي ما ذكر من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع ، فإما أن يحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر ، وإما أن يحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ، ويجمع بها بين مفترق الأحاديث ، فالجمع الصوري أولى والله أعلم ا هـ .

ومما يدل على تعيين حمل حديث الباب على الجمع الصوري ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ : { صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر جميعا ، والمغرب والعشاء جميعا ، أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء } فهذا ابن عباس راوي حديث الباب قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري .

ومما يؤيد ذلك ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال : يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر ، وأخر المغرب وعجل العشاء ؟ قال : وأنا أظنه . وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس كما تقدم . ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري ما أخرجه مالك في الموطأ والبخاري وأبو داود والنسائي عن { ابن مسعود قال : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين ، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة ، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها } فنفى ابن مسعود مطلق الجمع وحصره في جمع المزدلفة ، مع أنه ممن روى حديث الجمع بالمدينة كما تقدم

وهو يدل على أن الجمع الواقع بالمدينة صوري ، ولو كان جمعا حقيقيا لتعارض روايتاه ، والجمع ما أمكن المصير إليه هو الواجب . ومن المؤيدات للحمل على الجمع الصوري أيضا ما أخرجه ابن جرير عن ابن عمر قال : { خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يؤخر الظهر ويعجل العصر فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء فيجمع بينهما } وهذا هو الجمع الصوري ، وابن عمر هو ممن روى جمعه صلى الله عليه وسلم بالمدينة كما أخرج ذلك عبد الرزاق عنه .

وهذه الروايات معينة لما هو المراد بلفظ جمع لما تقرر في الأصول من أن لفظ : " جمع بين الظهر والعصر " لا يعم وقتها كما في مختصر المنتهى وشروحه والغاية وشرحها وسائر كتب الأصول ، بل مدلوله لغة الهيئة الاجتماعية ، وهي موجودة في جمع التقديم والتأخير والجمع الصوري ، إلا أنه لا يتناول جميعها ولا اثنين منها ، إذ الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه كما صرح بذلك أئمة الأصول فلا يتعين [ ص: 259 ] واحد من صور الجمع المذكور إلا بدليل ، وقد قام الدليل على أن الجمع المذكور في الباب هو الجمع الصوري فوجب المصير إلى ذلك .

وقد زعم بعض المتأخرين أنه لم يرد الجمع الصوري في لسان الشارع وأهل عصره ، وهو مردود بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من { قوله للمستحاضة : وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين ، ومثله في المغرب والعشاء } وبما سلف عن ابن عباس وابن عمر . وقد روي عن الخطابي أنه لا يصح حمل الجمع المذكور في الباب على الجمع الصوري لأنه يكون أعظم ضيقا من الإتيان بكل صلاة في وقتها ، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما لا يدركه الخاصة فضلا عن العامة

ويجاب عنه بأن الشارع قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها ، وبالغ في التعريف والبيان ، حتى أنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة ، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها وفعل الأولى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها كما كان ذلك ديدنه صلى الله عليه وسلم حتى قالت عائشة : { ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله تعالى }

ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من خلافه وأيسر . وبهذا يندفع ما قاله الحافظ في الفتح : أن قوله صلى الله عليه وسلم : " لئلا تحرج أمتي " يقدح في حمله على الجمع الصوري ، لأن القصد إليه لا يخلو عن حرج ، فإن قلت : الجمع الصوري هو فعل لكل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها فلا يكون رخصة بل عزيمة ، فأي فائدة في قوله صلى الله عليه وسلم : " لئلا تحرج أمتي " مع شمول الأحاديث المعينة للوقت للجمع الصوري ، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه . قلت : لا شك أن الأقوال الصادرة منه صلى الله عليه وسلم شاملة للجمع الصوري كما ذكرت ، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبا إليها بل هو منسوب إلى الأفعال ليس إلا لما عرفناك من أنه صلى الله عليه وسلم ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين ، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته صلى الله عليه وسلم لذلك طول عمره ، فكان في جمعه جمعا صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل .

وقد كان اقتداء الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال ، ولهذا { امتنع الصحابة رضي الله عنهم من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم صلى الله عليه وسلم بالنحر حتى دخل صلى الله عليه وسلم على أم سلمة مغموما ، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل ، فنحروا أجمع وكادوا يهلكون غما من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق } . ومما يدل على أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز إلا لعذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر } وفي إسناده حنش بن قيس وهو ضعيف .

ومما يدل على ذلك ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب [ ص: 260 ] العلل منه ولفظه : جميع ما في كتابي هذا من الحديث هو معمول به ، وبه أخذ بعض أهل العلم ، ما خلا حديثين : حديث ابن عباس : { أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر بالمدينة ، والمغرب والعشاء من غير خوف ولا سفر } وحديث أنه قال صلى الله عليه وسلم : { إذا شرب الخمر فاجلدوه ، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه } انتهى .

ولا يخفاك أن الحديث صحيح ، وترك الجمهور للعمل به لا يقدح في صحته ولا يوجب سقوط الاستدلال به . وقد أخذ به بعض أهل العلم كما سلف وإن كان ظاهر كلام الترمذي أنه لم يأخذ به أحد ، ولكن قد أثبت ذلك غيره ، والمثبت مقدم ، فالأولى التعويل على ما قدمنا من أن ذلك الجمع صوري ، بل القول بذلك متحتم لما سلف .

وقد جمعنا في هذه المسألة رسالة مستقلة سميناها : تشنيف السمع بإبطال أدلة الجمع ، فمن أحب الوقوف عليها فليطلبها .

قال المصنف رحمه الله تعالىبعد أن ساق حديث الباب ما لفظه : قلت : وهذا يدل بفحواه على الجمع للمطر والخوف وللمرض ، وإنما خولف ظاهر منطوقه في الجمع لغير عذر للإجماع ولأخبار المواقيت فتبقى فحواه على مقتضاه ، وقد صح الحديث في الجمع . للمستحاضة ، والاستحاضة نوع مرض .

ولمالك في الموطأ عن نافع أن ابن عمر كان إذا جمع الأمراء بين المغرب والعشاء في المطر جمع معهم .

وللأثرم في سننه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال : { من السنة إذا كان يوم مطير أن يجمع بين المغرب والعشاء } ا هـ .

التالي السابق


الخدمات العلمية