صفحة جزء
قوله تعالى : وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم

قاله تعالى على جهة التعجب ، أي وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله [ ص: 148 ] يعني القرآن .

وفيكم رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - . قال ابن عباس : كان بين الأوس والخزرج قتال وشر في الجاهلية ، فذكروا ما كان بينهم فثار بعضهم على بعض بالسيوف ; فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فذهب إليهم ; فنزلت هذه الآية وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم آيات الله وفيكم رسوله - إلى قوله تعالى : فأنقذكم منها ويدخل في هذه الآية من لم ير النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ما فيهم من سنته يقوم مقام رؤيته . قال الزجاج : يجوز أن يكون هذا الخطاب لأصحاب محمد خاصة ; لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان فيهم وهم يشاهدونه . ويجوز أن يكون هذا الخطاب لجميع الأمة ; لأن آثاره وعلاماته والقرآن الذي أوتي فينا مكان النبي - صلى الله عليه وسلم - فينا وإن لم نشاهده . وقال قتادة : في هذه الآية علمان بينان : كتاب الله ونبي الله ; فأما نبي الله فقد مضى ، وأما كتاب الله فقد أبقاه بين أظهرهم رحمة منه ونعمة ; فيه حلاله وحرامه ، وطاعته ومعصيته . وكيف في موضع نصب ، وفتحت الفاء عند الخليل وسيبويه لالتقاء الساكنين ، واختير لها الفتح لأن ما قبل الفاء ياء فثقل أن يجمعوا بين ياء وكسرة .

قوله تعالى : ومن يعتصم بالله أي يمتنع ويتمسك بدينه وطاعته . فقد هدي وفق وأرشد إلى صراط مستقيم ابن جريج يعتصم بالله يؤمن به . وقيل : المعنى ومن يعتصم بالله أي يتمسك بحبل الله ، وهو القرآن . يقال : أعصم به واعتصم ، وتمسك واستمسك إذا امتنع به من غيره . واعتصمت فلانا هيأت له ما يعتصم به . وكل متمسك بشيء معصم ومعتصم . وكل مانع شيئا فهو عاصم ; قال الفرزدق :


أنا ابن العاصمين بني تميم إذا ما أعظم الحدثان نابا

قال النابغة :


يظل من خوفه الملاح معتصما     بالخيزرانة بعد الأين والنجد

وقال آخر :


فأشرط فيها نفسه وهو معصم     وألقى بأسباب له وتوكلا

وعصمه الطعام : منع الجوع منه ; تقول العرب : عصم فلانا الطعام أي منعه من الجوع ; فكنوا السويق بأبي عاصم لذلك . قال أحمد بن يحيى : العرب تسمي الخبز عاصما وجابرا ; وأنشد :


فلا تلوميني ولومي جابرا     فجابر كلفني الهواجرا

[ ص: 149 ] ويسمونه عامرا . وأنشد :


أبو مالك يعتادني بالظهائر     يجيء فيلقي رحله عند عامر

أبو مالك كنية الجوع .

التالي السابق


الخدمات العلمية