صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى ذكره ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم )

وتأويل ذلك : فدعا موسى ، فاستجبنا له ، فقلنا لهم : " اهبطوا مصرا " ، وهو من المحذوف الذي اجتزئ بدلالة ظاهره على ذكر ما حذف وترك منه .

وقد دللنا - فيما مضى - على أن معنى " الهبوط " إلى المكان ، إنما هو النزول إليه والحلول به .

فتأويل الآية إذا : وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ، فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها . قال لهم موسى : أتستبدلون الذي هو أخس وأردأ من العيش ، بالذي هو خير منه . فدعا لهم موسى ربه أن يعطيهم ما سألوه ، فاستجاب الله له دعاءه ، فأعطاهم ما طلبوا ، وقال الله لهم : ( اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم ) .

ثم اختلف القرأة في قراءة قوله ( مصرا ) فقرأه عامة القرأة : " مصرا " بتنوين " المصر " وإجرائه . وقرأه بعضهم بترك التنوين وحذف الألف منه . فأما الذين نونوه وأجروه ، فإنهم عنوا به مصرا من الأمصار ، لا مصرا بعينه . فتأويله - على قراءتهم - : اهبطوا مصرا من الأمصار ، لأنكم في البدو ، والذي طلبتم لا يكون في البوادي والفيافي ، وإنما يكون في القرى والأمصار ، فإن لكم - إذا هبطتموه - ما سألتم من العيش . وقد يجوز أن يكون بعض من قرأ ذلك [ ص: 133 ] بالإجراء والتنوين ، كان تأويل الكلام عنده : " اهبطوا مصرا " البلدة التي تعرف بهذا الاسم ، وهي " مصر " التي خرجوا عنها . غير أنه أجراها ونونها اتباعا منه خط المصحف ، لأن في المصحف ألفا ثابتة في " مصر " ، فيكون سبيل قراءته ذلك بالإجراء والتنوين ، سبيل من قرأ : ( قواريرا قواريرا من فضة ) [ الإنسان : 15 - 16 ] منونة اتباعا منه خط المصحف . وأما الذي لم ينون " مصر " فإنه لا شك أنه عنى " مصر " التي تعرف بهذا الاسم بعينها دون سائر البلدان غيرها .

وقد اختلف أهل التأويل في ذلك ، نظير اختلاف القرأة في قراءته .

1081 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة : ( اهبطوا مصرا ) ، أي مصرا من الأمصار ، فإن لكم ما سألتم .

1082 - وحدثني موسى بن هارون قال ، حدثنا عمرو بن حماد قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : ( اهبطوا مصرا ) من الأمصار ، فإن لكم ما سألتم . فلما خرجوا من التيه ، رفع المن والسلوى وأكلوا البقول .

1083 - وحدثني المثنى قال ، حدثني آدم قال ، حدثنا أبو جعفر ، عن قتادة في قوله : ( اهبطوا مصرا ) قال : يعني مصرا من الأمصار .

1084 - وحدثنا القاسم بن الحسن قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( اهبطوا مصرا ) قال : مصرا من الأمصار . زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر .

1085 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد : ( اهبطوا مصرا ) ، قال : مصرا من الأمصار . و" مصر " لا تجرى في الكلام . فقيل : أي مصر . فقال : الأرض المقدسة التي كتب الله لهم ، وقرأ قول الله جل ثناؤه : ( ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ) [ المائدة : 21 ] .

[ ص: 134 ] وقال آخرون : هي مصر التي كان فيها فرعون .

ذكر من قال ذلك :

1086 - حدثني المثنى ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : ( اهبطوا مصرا ) قال : يعني به مصر فرعون .

1087 - حدثنا عن عمار بن الحسن ، عن ابن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن الربيع مثله .

ومن حجة من قال إن الله جل ثناؤه إنما عنى بقوله : ( اهبطوا مصرا ) ، مصرا من الأمصار دون " مصر " فرعون بعينها - : أن الله جعل أرض الشام لبني إسرائيل مساكن بعد أن أخرجهم من مصر . وإنما ابتلاهم بالتيه بامتناعهم على موسى في حرب الجبابرة ، إذ قال لهم : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) [ المائدة : 21 - 24 ] ، فحرم الله جل وعز على قائلي ذلك - فيما ذكر لنا - دخولها حتى هلكوا في التيه . وابتلاهم بالتيهان في الأرض أربعين سنة ، ثم أهبط ذريتهم الشأم ، فأسكنهم الأرض المقدسة ، وجعل هلاك الجبابرة على أيديهم مع يوشع بن نون - بعد وفاة موسى بن عمران . فرأينا الله جل وعز قد أخبر عنهم أنه كتب لهم الأرض المقدسة ، ولم يخبرنا عنهم أنه ردهم إلى مصر بعد إخراجه إياهم منها ، فيجوز لنا أن نقرأ : " اهبطوا مصر " ، ونتأوله أنه ردهم إليها . [ ص: 135 ] قالوا : فإن احتج محتج بقول الله جل ثناؤه : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 57 - 59 ] قيل لهم : فإن الله جل ثناؤه إنما أورثهم ذلك ، فملكهم إياها ولم يردهم إليها ، وجعل مساكنهم الشأم .

وأما الذين قالوا : إن الله إنما عنى بقوله جل وعز : ( اهبطوا مصرا ) مصر ; فإن من حجتهم التي احتجوا بها الآية التي قال فيها : ( فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل ) [ الشعراء : 57 - 59 ] وقوله : ( كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين ) [ الدخان : 25 - 28 ] ، قالوا : فأخبر الله جل ثناؤه أنه قد ورثهم ذلك وجعلها لهم ، فلم يكونوا يرثونها ثم لا ينتفعون بها . قالوا : ولا يكونون منتفعين بها إلا بمصير بعضهم إليها ، وإلا فلا وجه للانتفاع بها ، إن لم يصيروا ، أو يصر بعضهم إليها . قالوا : وأخرى ، أنها في قراءة أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود : " اهبطوا مصر " بغير ألف . قالوا : ففي ذلك الدلالة البينة أنها " مصر " بعينها .

قال أبو جعفر : والذي نقول به في ذلك أنه لا دلالة في كتاب الله على الصواب من هذين التأويلين ، ولا خبر به عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقطع مجيئه العذر . وأهل التأويل متنازعون تأويله ، فأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب أن يقال : إن موسى سأل ربه أن يعطي قومه ما سألوه من نبات الأرض - على ما بينه الله جل وعز في كتابه - وهم في الأرض تائهون ، فاستجاب الله لموسى دعاءه ، وأمره أن يهبط بمن معه من قومه [ ص: 136 ] قرارا من الأرض التي تنبت لهم ما سأل لهم من ذلك ، إذ كان الذي سألوه لا تنبته إلا القرى والأمصار ، وأنه قد أعطاهم ذلك إذ صاروا إليه . وجائز أن يكون ذلك القرار " مصر " ، وجائز أن يكون " الشأم " .

فأما القراءة فإنها بالألف والتنوين : ( اهبطوا مصرا ) وهي القراءة التي لا يجوز عندي غيرها ، لاجتماع خطوط مصاحف المسلمين ، واتفاق قراءة القرأة على ذلك . ولم يقرأ بترك التنوين فيه وإسقاط الألف منه ، إلا من لا يجوز الاعتراض به على الحجة ، فيما جاءت به من القراءة مستفيضا بينهما .

التالي السابق


الخدمات العلمية