صفحة جزء
القول في تأويل قوله ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم )

قال أبو جعفر : يقول تعالى ذكره : واذكروا ، أيها القوم ( إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، يعني إحدى الفرقتين ، فرقة أبي سفيان بن حرب والعير ، وفرقة المشركين الذين نفروا من مكة لمنع عيرهم .

وقوله : ( أنها لكم ) ، يقول : إن ما معهم غنيمة لكم ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، يقول : وتحبون أن تكون تلك الطائفة التي ليست لها شوكة يقول : ليس لها حد ، ولا فيها قتال أن تكون لكم . يقول : تودون أن تكون لكم العير التي ليس فيها قتال لكم ، دون جماعة قريش الذين جاءوا لمنع عيرهم ، الذين في لقائهم القتال والحرب .

وأصل " الشوكة " من " الشوك " .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

15719 - حدثنا علي بن نصر ، وعبد الوارث بن عبد الصمد قالا حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث قال ، حدثنا أبان العطار قال ، حدثنا هشام بن عروة ، عن عروة : أن أبا سفيان أقبل ومن معه من ركبان قريش مقبلين من الشأم ، فسلكوا طريق الساحل . فلما سمع بهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ندب أصحابه ، وحدثهم بما معهم من الأموال ، وبقلة عددهم . فخرجوا [ ص: 399 ] لا يريدون إلا أبا سفيان والركب معه ، لا يرونها إلا غنيمة لهم ، لا يظنون أن يكون كبير قتال إذا رأوهم . وهي التي أنزل الله فيها ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) .

15720 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن مسلم الزهري ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزبير وغيرهم من علمائنا ، عن عبد الله بن عباس ، كل قد حدثني بعض هذا الحديث ، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدر ، قالوا : لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان مقبلا من الشأم ، ندب المسلمين إليهم وقال : هذه عير قريش فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها ! فانتدب الناس ، فخف بعضهم وثقل بعض ، وذلك أنهم لم يظنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى حربا . وكان أبو سفيان يستيقن حين دنا من الحجاز ويتحسس الأخبار ، ويسأل من لقي من الركبان ، تخوفا على [ ص: 400 ] أموال الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان : " أن محمدا قد استنفر أصحابه لك ولعيرك " ! فحذر عند ذلك ، واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري ، فبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه . فخرج ضمضم بن عمرو سريعا إلى مكة . وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه حتى بلغ واديا يقال له " ذفران " ، فخرج منه ، حتى إذا كان ببعضه ، نزل ، وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم ، فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس ، وأخبرهم عن قريش . فقام أبو بكر رضوان الله عليه ، فقال فأحسن . ثم قام عمر رضي الله عنه ، فقال فأحسن . ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض إلى حيث أمرك الله ، فنحن معك ، والله ، لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى : ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ، [ سورة المائدة : 24 ] ، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون ! فوالذي بعثك بالحق ، لئن سرت بنا إلى برك الغماد يعني : مدينة الحبشة لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ، ثم دعا له بخير ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أشيروا علي [ ص: 401 ] أيها الناس ! وإنما يريد الأنصار ، وذلك أنهم كانوا عدد الناس ، وذلك أنهم حين بايعوه على العقبة قالوا : " يا رسول الله ، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذمتنا ، نمنعك مما نمنع منه أبناءنا ونساءنا " ، فكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف أن لا تكون الأنصار ترى عليها نصرته إلا ممن دهمه بالمدينة من عدوه ، وأن ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو من بلادهم قال : فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال له سعد بن معاذ : لكأنك تريدنا يا رسول الله ؟ قال : أجل ! قال : فقد آمنا بك وصدقناك ، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق ، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة ، فامض يا رسول الله لما أردت ، فوالذي بعثك بالحق إن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ، ما تخلف منا رجل واحد ، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا ، إنا لصبر عند الحرب ، صدق عند اللقاء ، لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك ، فسر بنا على بركة الله ! فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد ونشطه ذلك ، ثم قال : سيروا على بركة الله وأبشروا ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ، والله لكأني أنظر الآن إلى مصارع القوم غدا " . [ ص: 402 ]

15721 - حدثني محمد بن الحسين قال ، حدثنا أحمد بن المفضل قال ، حدثنا أسباط ، عن السدي : أن أبا سفيان أقبل في عير من الشأم فيها تجارة قريش ، وهي اللطيمة ، فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها قد أقبلت ، فاستنفر الناس ، فخرجوا معه ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا . فبعث عينا له من جهينة ، حليفا للأنصار يدعى " ابن أريقط " ، فأتاه بخبر القوم . وبلغ أبا سفيان خروج محمد صلى الله عليه وسلم ، فبعث إلى أهل مكة يستعينهم ، فبعث رجلا من بني غفار يدعى ضمضم بن عمرو ، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يشعر بخروج قريش ، فأخبره الله بخروجهم ، فتخوف من الأنصار أن يخذلوه ويقولوا : " إنا عاهدنا أن نمنعك إن أرادك أحد ببلدنا " ! فأقبل على أصحابه فاستشارهم في طلب العير ، فقال له أبو بكر رحمة الله عليه : إني قد سلكت هذا الطريق ، فأنا أعلم به ، وقد فارقهم الرجل بمكان كذا وكذا ، فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم عاد فشاورهم ، فجعلوا يشيرون عليه بالعير . فلما أكثر المشورة ، تكلم سعد بن معاذ ، فقال : يا رسول الله ، أراك تشاور أصحابك فيشيرون عليك ، وتعود فتشاورهم ، فكأنك لا ترضى ما يشيرون عليك ، وكأنك تتخوف أن تتخلف عنك الأنصار ! أنت رسول الله ، وعليك أنزل الكتاب ، وقد أمرك الله بالقتال ، ووعدك النصر ، والله لا يخلف الميعاد ، امض لما أمرت به ، فوالذي بعثك بالحق لا يتخلف عنك رجل من الأنصار ! ثم قام المقداد بن الأسود الكندي فقال : يا رسول الله ، إنا لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : ( اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ) ، [ ص: 403 ] [ سورة المائدة : 24 ] ، ولكنا نقول : أقدم فقاتل ، إنا معك مقاتلون ! ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، وقال : إن ربي وعدني القوم ، وقد خرجوا ، فسيروا إليهم ! فساروا .

15722 - حدثنا بشر بن معاذ قال ، حدثنا يزيد قال ، حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال : الطائفتان إحداهما أبو سفيان بن حرب إذ أقبل بالعير من الشأم ، والطائفة الأخرى أبو جهل معه نفر من قريش . فكره المسلمون الشوكة والقتال ، وأحبوا أن يلقوا العير ، وأراد الله ما أراد .

15723 - حدثني المثنى قال ، حدثنا عبد الله بن صالح قال ، حدثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، قال : أقبلت عير أهل مكة يريد : من الشأم فبلغ أهل المدينة ذلك ، فخرجوا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون العير . فبلغ ذلك أهل مكة ، فسارعوا السير إليها ، لا يغلب عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه . فسبقت العير رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكان الله وعدهم إحدى الطائفتين ، فكانوا أن يلقوا العير أحب إليهم ، وأيسر شوكة ، وأحضر مغنما . فلما سبقت العير وفاتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسلمين يريد القوم ، فكره القوم مسيرهم لشوكة في القوم .

15724 - حدثني محمد بن سعد قال ، حدثني أبي قال ، حدثني عمي قال ، حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال : أرادوا العير . قال : ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في شهر ربيع الأول ، فأغار [ ص: 404 ] كرز بن جابر الفهري يريد سرح المدينة حتى بلغ الصفراء ، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فركب في أثره ، فسبقه كرز بن جابر . فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقام سنته . ثم إن أبا سفيان أقبل من الشأم في عير لقريش ، حتى إذا كان قريبا من بدر ، نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فأوحى إليه : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، فنفر النبي صلى الله عليه وسلم بجميع المسلمين ، وهم يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا منهم سبعون ومئتان من الأنصار ، وسائرهم من المهاجرين . وبلغ أبا سفيان الخبر وهو بالبطم ، فبعث إلى جميع قريش وهم بمكة ، فنفرت قريش وغضبت .

15725 - حدثنا القاسم قال ، حدثنا الحسين قال ، حدثني حجاج ، عن ابن جريج : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال : كان جبريل عليه السلام قد نزل فأخبره بمسير قريش وهي تريد عيرها ، ووعده إما العير ، وإما قريشا وذلك كان ببدر ، وأخذوا السقاة وسألوهم ، فأخبروهم ، فذلك قوله : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، هم أهل مكة
. [ ص: 405 ]

15726 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، إلى آخر الآية ، خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بدر وهم يريدون يعترضون عيرا لقريش . قال : وخرج الشيطان في صورة سراقة بن جعشم ، حتى أتى أهل مكة فاستغواهم ، وقال : إن محمدا وأصحابه قد عرضوا لعيركم ! وقال : لا غالب لكم اليوم من الناس من مثلكم ، وإني جار لكم أن تكونوا على ما يكره الله ! فخرجوا ونادوا أن لا يتخلف منا أحد إلا هدمنا داره واستبحناه ! وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالروحاء عينا للقوم ، فأخبره بهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله قد وعدكم العير أو القوم ! فكانت العير أحب إلى القوم من القوم ، كان القتال في الشوكة ، والعير ليس فيها قتال ، وذلك قول الله عز وجل : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قال : " الشوكة " ، القتال ، و" غير الشوكة " ، العير .

15727 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري قال ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن ابن لهيعة ، عن ابن أبي حبيب ، عن أبي عمران ، عن أبي أيوب قال : أنزل الله جل وعز : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم ) ، فلما وعدنا إحدى الطائفتين أنها لنا ، طابت أنفسنا : و" الطائفتان " ، عير أبي سفيان ، أو قريش . [ ص: 406 ]

15728 - حدثني المثنى قال ، حدثنا سويد بن نصر قال ، أخبرنا ابن المبارك ، عن ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أسلم أبي عمران الأنصاري ، أحسبه قال : قال أبو أيوب : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، قالوا : " الشوكة " القوم و" غير الشوكة " العير ، فلما وعدنا الله إحدى الطائفتين ، إما العير وإما القوم ، طابت أنفسنا .

15729 - حدثني المثنى قال ، حدثنا إسحاق قال ، حدثني يعقوب بن محمد قال ، حدثني غير واحد في قوله : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، إن " الشوكة " ، قريش .

15730 - حدثت عن الحسين بن الفرج قال ، سمعت أبا معاذ قال ، حدثنا عبيد بن سليمان قال ، سمعت الضحاك يقول في قوله : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، هي عير أبي سفيان ، ود أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن العير كانت لهم ، وأن القتال صرف عنهم .

15731 - حدثنا ابن حميد قال ، حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، أي الغنيمة دون الحرب .

وأما قوله : ( أنها لكم ) ، ففتحت على تكرير " يعد " ، وذلك أن قوله : ( يعدكم الله ) ، قد عمل في " إحدى الطائفتين " .

فتأويل الكلام : ( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ) ، يعدكم أن إحدى الطائفتين لكم ، كما قال : ( هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة ) . [ سورة محمد : 18 ] . [ ص: 407 ]

قال : ( وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) ، فأنث " ذات " ، لأنه مراد بها الطائفة . ومعنى الكلام : وتودون أن الطائفة التي هي غير ذات الشوكة تكون لكم ، دون الطائفة ذات الشوكة .

التالي السابق


الخدمات العلمية