صفحة جزء
[ القول في تأويل قوله تعالى : ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ( 80 ) )

قال أبو جعفر يعني تعالى ذكره : ( فلما استيأسوا منه ) فلما يئسوا منه من أن يخلي يوسف عن بنيامين ، ويأخذ منهم واحدا مكانه ، وأن يجيبهم إلى ما سألوه من ذلك . [ ص: 204 ]

وقوله ( استيأسوا ) ، " استفعلوا " ، من : " يئس الرجل من كذا ييأس " ، كما : -

19617 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( فلما استيأسوا منه ) يئسوا منه ، ورأوا شدته في أمره .

وقوله : ( خلصوا نجيا ) ، يقول بعضهم لبعض يتناجون ، لا يختلط بهم غيرهم .

و " النجي " ، جماعة القوم المنتجين ، يسمى به الواحد والجماعة ، كما يقال : " رجل عدل ، ورجال عدل " ، و " قوم زور ، وفطر " . وهو مصدر من قول القائل : " نجوت فلانا أنجوه نجيا " ، جعل صفة ونعتا . ومن الدليل على أن ذلك كما ذكرنا ، قول الله تعالى ( وقربناه نجيا ) [ سورة مريم : 52 ] فوصف به الواحد ، وقال في هذا الموضع : ( خلصوا نجيا ) فوصف به الجماعة ، ويجمع " النجي " أنجية ، كما قال لبيد :


وشهدت أنجية الأفاقة عاليا كعبي وأرداف الملوك شهود



وقد يقال للجماعة من الرجال : " نجوى " كما قال جل ثناؤه : ( وإذ هم نجوى ) [ سورة الإسراء : 47 ] وقال : ( ما يكون من نجوى ثلاثة ) [ سورة المجادلة : 7 ] وهم القوم الذين يتناجون . وتكون " النجوى " أيضا مصدرا ، كما قال الله : [ ص: 205 ] ( إنما النجوى من الشيطان ) [ سورة المجادلة : 10 ] تقول منه : " نجوت أنجو نجوى " فهي في هذا الموضع ، المناجاة نفسها ، ومنه قول الشاعر


بني بدا خب نجوى الرجال     فكن عند سرك خب النجي



ف " النجوى " و " النجي " ، في هذا البيت بمعنى واحد ، وهو المناجاة ، وقد جمع بين اللغتين .

وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله : ( خلصوا نجيا ) قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

19618 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) وأخلص لهم شمعون ، وقد كان ارتهنه ، خلوا بينهم نجيا ، يتناجون بينهم .

19619 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : ( خلصوا نجيا ) خلصوا وحدهم نجيا .

19620 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( خلصوا نجيا ) : أي خلا بعضهم ببعض ، ثم قالوا : ماذا ترون؟

وقوله : ( قال كبيرهم ) اختلف أهل العلم في المعني بذلك . [ ص: 206 ]

فقال بعضهم : عني به كبيرهم في العقل والعلم ، لا في السن ، وهو شمعون . قالوا : وكان روبيل أكبر منه في الميلاد .

ذكر من قال ذلك :

19621 - حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم قال : حدثنا عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : ( قال كبيرهم ) قال : هو شمعون الذي تخلف ، وأكبر منه ، أو أكبر منهم في الميلاد ، روبيل .

19622 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( قال كبيرهم ) : ، شمعون الذي تخلف ، وأكبر منه في الميلاد روبيل .

19623 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، مثله .

19624 - حدثني المثنى قال : أخبرنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله بن الزبير ، عن سفيان ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( قال كبيرهم ) ، قال : شمعون الذي تخلف ، وأكبرهم في الميلاد روبيل .

وقال آخرون : بل عني به كبيرهم في السن ، وهو روبيل .

ذكر من قال ذلك :

19625 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( قال كبيرهم ) ، وهو روبيل ، أخو يوسف ، وهو ابن خالته ، وهو الذي نهاهم عن قتله .

19626 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( قال كبيرهم ) ، قال : روبيل ، وهو الذي أشار عليهم أن لا يقتلوه . [ ص: 207 ]

19627 - حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي : ( قال كبيرهم ) في العلم ( أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض ) ، الآية ، فأقام روبيل بمصر ، وأقبل التسعة إلى يعقوب ، فأخبروه الخبر ، فبكى وقال : يا بني ما تذهبون مرة إلا نقصتم واحدا! ذهبتم مرة فنقصتم يوسف ، وذهبتم الثانية فنقصتم شمعون ، وذهبتم الآن فنقصتم روبيل !

19628 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا ) قال : ماذا ترون؟ فقال روبيل كما ذكر لي ، وكان كبير القوم : ( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) ، الآية .

قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصحة ، قول من قال : عنى بقوله : ( قال كبيرهم ) روبيل ، لإجماع جميعهم على أنه كان أكبرهم سنا . ولا تفهم العرب في المخاطبة إذا قيل لهم : " فلان كبير القوم " ، مطلقا بغير وصل ، إلا أحد معنيين : إما في الرياسة عليهم والسؤدد ، وإما في السن . فأما في العقل ، فإنهم إذا أرادوا ذلك وصلوه ، فقالوا : " هو كبيرهم في العقل " . فأما إذا أطلق بغير صلته بذلك ، فلا يفهم إلا ما ذكرت .

وقد قال أهل التأويل : لم يكن لشمعون وإن كان قد كان من العلم والعقل بالمكان الذي جعله الله به على إخوته رياسة وسؤدد ، فيعلم بذلك أنه عني بقوله : ( قال كبيرهم ) فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر ، وهو الكبر [ ص: 208 ] في السن ، وقد قال الذين ذكرنا جميعا : " روبيل كان أكبر القوم سنا " ، فصح بذلك القول الذي اخترناه .

وقوله : ( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ) يقول : ألم تعلموا أيها القوم; أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم عهود الله ومواثيقه : لنأتينه بهم جميعا ، إلا أن يحاط بكم ( ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) ، ومن قبل فعلتكم هذه ، تفريطكم في يوسف . يقول : أولم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف؟ وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه ، كانت " ما " حينئذ في موضع نصب .

وقد يجوز أن يكون قوله : ( ومن قبل ما فرطتم في يوسف ) خبر مبتدأ ، ويكون قوله : ( ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ) خبرا متناهيا فتكون " ما " حينئذ في موضع رفع ، كأنه قيل : " ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف " فتكون " ما " مرفوعة ب " من " قبل .

هذا ويجوز أن تكون " ما " التي هي صلة في الكلام ، فيكون تأويل الكلام : ومن قبل هذا فرطتم في يوسف .

وقوله : ( فلن أبرح الأرض ) التي أنا بها ، وهي مصر فأفارقها ( حتى يأذن لي أبي ) بالخروج منها ، كما : -

19629 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ( فلن أبرح الأرض ) التي أنا بها اليوم ( حتى يأذن لي أبي ) ، بالخروج منها .

19630 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن [ ص: 209 ] ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قال شمعون : ( فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين ) .

وقوله : ( أو يحكم الله لي ) ، أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين ، وإلا فإني غير خارج ( وهو خير الحاكمين ) ، يقول : والله خير من حكم ، وأعدل من فصل بين الناس .

وكان أبو صالح يقول في ذلك بما : -

19631 - حدثني الحسين بن يزيد السبيعي قال : حدثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : ( حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ) قال : بالسيف .

وكأن أبا صالح وجه تأويل قوله : ( أو يحكم الله لي ) ، إلى : أو يقضي الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب ، فأحاربه .

التالي السابق


الخدمات العلمية