صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ( 17 ) )

قال أبو جعفر : وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل ، والإيمان به والكفر .

يقول تعالى ذكره : مثل الحق في ثباته والباطل في اضمحلاله ، مثل ماء [ ص: 409 ] أنزله الله من السماء إلى الأرض ( فسالت أودية بقدرها ) ، يقول : فاحتملته الأودية بملئها ، الكبير بكبره ، والصغير بصغره ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) ، يقول : فاحتمل السيل الذي حدث عن ذلك الماء الذي أنزله الله من السماء ، زبدا عاليا فوق السيل .

فهذا أحد مثلي الحق والباطل ، فالحق هو الماء الباقي الذي أنزله الله من السماء ، والزبد الذي لا ينتفع به هو الباطل .

والمثل الآخر : ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية ) يقول جل ثناؤه : ومثل آخر للحق والباطل ، مثل فضة أو ذهب يوقد عليها الناس في النار طلب حلية يتخذونها أو متاع ، وذلك من النحاس والرصاص والحديد ، يوقد عليه ليتخذ منه متاع ينتفع به ، ( زبد مثله ) ، يقول تعالى ذكره : ومما يوقدون عليه من هذه الأشياء زبد مثله ، يعني مثل زبد السيل لا ينتفع به ويذهب باطلا كما لا ينتفع بزبد السيل ويذهب باطلا .

ورفع "الزبد" بقوله : ( ومما يوقدون عليه في النار ) .

ومعنى الكلام : ومما يوقدون عليه في النار زبد مثل زبد السيل في بطول زبده ، وبقاء خالص الذهب والفضة .

يقول الله تعالى : ( كذلك يضرب الله الحق والباطل ) ، يقول : كما مثل الله مثل الإيمان والكفر ، في بطول الكفر وخيبة صاحبه عند مجازاة الله ، بالباقي النافع من ماء السيل وخالص الذهب والفضة ، كذلك يمثل الله الحق والباطل ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) يقول : فأما الزبد الذي علا السيل والذهب والفضة والنحاس والرصاص عند الوقود عليها ، فيذهب بدفع الرياح وقذف الماء به ، وتعلقه بالأشجار وجوانب الوادي ( وأما ما ينفع الناس ) من الماء والذهب والفضة والرصاص [ ص: 410 ] والنحاس ، فالماء يمكث في الأرض فتشربه ، والذهب والفضة تمكث للناس ( كذلك يضرب الله الأمثال ) يقول : كما مثل هذا المثل للإيمان والكفر ، كذلك يمثل الأمثال .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

20311 - حدثني المثنى قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) فهذا مثل ضربه الله ، احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها ، فأما الشك فلا ينفع معه العمل ، وأما اليقين فينفع الله به أهله ، وهو قوله : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) ، وهو الشك ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، وهو اليقين ، كما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار ، فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك .

20312 - حدثني محمد بن سعد قال : حدثني أبي قال : حدثني عمي قال : حدثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) ، يقول : احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة ، ( ومما يوقدون عليه في النار ) فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد ، وللنحاس والحديد خبث ، فجعل الله مثل خبثه كزبد الماء . فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة ، وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت . فجعل ذلك مثل العمل الصالح يبقى لأهله ، والعمل السيئ يضمحل عن أهله ، كما يذهب هذا الزبد ، فكذلك الهدى والحق جاء من عند الله ، فمن عمل بالحق كان له ، وبقي كما يبقى ما ينفع الناس في الأرض . وكذلك الحديد لا يستطاع أن تجعل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ، فيخرج جيده فينتفع به . [ ص: 411 ]

فكذلك يضمحل الباطل إذا كان يوم القيامة ، وأقيم الناس ، وعرضت الأعمال ، فيزيغ الباطل ويهلك ، وينتفع أهل الحق بالحق ، ثم قال : ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) .

20313 - حدثني يعقوب قال : حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء ، عن الحسن ، في قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية ) إلى : ( أو متاع زبد مثله ) ، فقال : ابتغاء حلية الذهب والفضة ، أو متاع الصفر والحديد . قال : كما أوقد على الذهب والفضة والصفر والحديد فخلص خالصه . قال : ( كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، كذلك بقاء الحق لأهله فانتفعوا به .

20314 - حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني قال : حدثنا حجاج بن محمد قال : قال ابن جريج : أخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ، قال : ما أطاقت ملأها ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) قال : انقضى الكلام ، ثم استقبل فقال : ( ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) قال : المتاع : الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه ( زبد مثله ) قال : خبث ذلك مثل زبد السيل . قال : ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، وأما الزبد فيذهب جفاء ، قال : فذلك مثل الحق والباطل .

20315 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عبد الله بن كثير ، عن مجاهد : أنه سمعه يقول . فذكر نحوه وزاد فيه ، قال : قال ابن جريج : قال مجاهد قوله : ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) قال : جمودا في الأرض ، ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، يعني الماء . وهما مثلان : مثل الحق والباطل .

20316 - حدثنا الحسن قال : حدثنا شبابة قال : حدثنا ورقاء ، عن ابن [ ص: 412 ] أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( زبدا رابيا ) السيل مثل خبث الحديد والحلية ( فيذهب جفاء ) جمودا في الأرض ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) ، الحديد والنحاس والرصاص وأشباهه . وقوله : ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، إنما هما مثلان للحق والباطل .

20317 - حدثني المثنى قال : حدثنا أبو حذيفة قال : حدثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد

20318 - . . . قال : وحدثنا إسحاق قال : حدثنا عبد الله ، عن ورقاء ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد - يزيد أحدهما على صاحبه - في قوله : ( فسالت أودية بقدرها ) قال : بملئها ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) ، قال : الزبد : السيل ( ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله ) ، قال : خبث الحديد والحلية ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) قال : جمودا في الأرض ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) قال : الماء ، وهما مثلان للحق والباطل .

20319 - حدثنا بشر قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) ، الصغير بصغره ، والكبير بكبره ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) أي عاليا ( ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء ) و "الجفاء" ما يتعلق بالشجر ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) . هذه ثلاثة أمثال ضربها الله في مثل واحد . يقول : كما اضمحل هذا الزبد فصار جفاء لا ينتفع به ولا ترجى بركته ، كذلك يضمحل الباطل عن أهله كما اضمحل هذا الزبد ، وكما مكث هذا الماء في الأرض ، فأمرعت هذه الأرض وأخرجت نباتها ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي هذا الماء في الأرض ، فأخرج الله به ما أخرج من النبات . قوله : ( ومما توقدون عليه في النار ) الآية ، كما يبقى خالص الذهب والفضة حين أدخل النار وذهب خبثه ، كذلك يبقى الحق [ ص: 413 ] لأهله قوله : ( أو متاع زبد مثله ) ، يقول : هذا الحديد والصفر الذي ينتفع به فيه منافع . يقول : كما يبقى خالص هذا الحديد وهذا الصفر حين أدخل النار وذهب خبثه ، كذلك يبقى الحق لأهله كما بقي خالصهما .

20320 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال : حدثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : ( فسالت أودية بقدرها ) ، الكبير بقدره ، والصغير بقدره ( زبدا رابيا ) قال : ربا فوق الماء الزبد "ومما توقدون عليه في النار" قال : هو الذهب إذا أدخل النار بقي صفوه ونفي ما كان من كدره . وهذا مثل ضربه الله للحق والباطل ( فأما الزبد فيذهب جفاء ) ، يتعلق بالشجر فلا يكون شيئا ، هذا مثل الباطل ( وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ) ، وهذا يخرج النبات ، وهو مثل الحق ( أو متاع زبد مثله ) قال : "المتاع" الصفر والحديد .

20321 - حدثنا الحسن بن محمد قال : حدثنا هوذة بن خليفة قال : حدثنا عوف قال : بلغني في قوله : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها ) قال : إنما هو مثل ضربه الله للحق والباطل ( فسالت أودية بقدرها ) الصغير على قدره ، والكبير على قدره ، وما بينهما على قدره ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) يقول : عظيما ، وحيث استقر الماء يذهب الزبد جفاء فتطير به الريح فلا يكون شيئا ، ويبقى صريح الماء الذي ينفع الناس ، منه شرابهم ونباتهم ومنفعتهم ( أو متاع زبد مثله ) ، ومثل الزبد كل شيء يوقد عليه في النار الذهب والفضة والنحاس والحديد ، فيذهب خبثه ويبقى ما ينفع في أيديهم ، والخبث والزبد مثل الباطل ، والذي ينفع الناس مما تحصل في أيديهم مما ينفعهم المال الذي في أيديهم .

20322 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : " ومما توقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله " قال : هذا مثل ضربه الله للحق والباطل . فقرأ : ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ) هذا الزبد لا ينفع ( أو متاع زبد مثله ) ، هذا لا ينفع [ ص: 414 ] أيضا قال : وبقي الماء في الأرض فنفع الناس ، وبقي الحلي الذي صلح من هذا ، فانتفع الناس به ( فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال ) ، وقال : هذا مثل ضربه الله للحق والباطل .

20323 - حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين قال : حدثني حجاج ، عن ابن جريج قال : قال ابن عباس : ( أودية بقدرها ) قال : الصغير بصغره ، والكبير بكبره .

20324 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال : حدثنا أبو أحمد قال : حدثنا طلحة بن عمرو ، عن عطاء : ضرب الله مثلا للحق والباطل ، فضرب مثل الحق كمثل السيل الذي يمكث في الأرض ، وضرب مثل الباطل كمثل الزبد الذي لا ينفع الناس .

وعنى بقوله : ( رابيا ) ، عاليا منتفخا ، من قولهم : ربا الشيء يربو ربوا فهو راب ، ومنه قيل للنشز من الأرض كهيئة الأكمة : "رابية" ومنه قول الله تعالى : ( اهتزت وربت ) . [ سورة الحج 5 - سورة فصلت 39 ] .

وقيل للنحاس والرصاص والحديد في هذا الموضع "المتاع " لأنه يستمتع به ، وكل ما يتمتع به الناس فهو "متاع"

كما قال الشاعر :


تمتع يا مشعث إن شيئا سبقت به الممات هو المتاع



[ ص: 415 ] وأما الجفاء فإني :

20325 - حدثت عن أبي عبيدة معمر بن المثنى ، قال أبو عمرو بن العلاء : يقال : قد أجفأت القدر ، وذلك إذا غلت فانصب زبدها ، أو سكنت فلا يبقى منه شيء .

وقد زعم بعض أهل العربية من أهل البصرة ، أن معنى قوله : ( فيذهب جفاء ) تنشفه الأرض ، وقال : يقال : جفا الوادي وأجفى في معنى نشف ، و "انجفى الوادي" إذا جاء بذلك الغثاء ، و "غثى الوادي فهو يغثى غثيا وغثيانا" وذكر عن العرب أنها تقول : "جفأت القدر أجفؤها" إذا أخرجت جفاءها ، وهو الزبد الذي يعلوها و "أجفأتها إجفاء" لغة . قال : وقالوا : "جفأت الرجل جفأ" صرعته .

وقيل : ( فيذهب جفاء ) بمعنى "جفأ " لأنه مصدر من قول القائل : جفأ الوادي غثاءه ، فخرج مخرج الاسم ، وهو مصدر ، كذلك تفعل العرب في مصدر كل ما كان من فعل شيء اجتمع بعضه إلى بعض ك "القماش والدقاق والحطام والغثاء" تخرجه على مذهب الاسم ، كما فعلت ذلك في [ ص: 416 ] قولهم : "أعطيته عطاء" بمعنى الإعطاء ، ولو أريد من "القماش" المصدر على الصحة لقيل : "قد قمشه قمشا" .

التالي السابق


الخدمات العلمية