1. الرئيسية
  2. تفسير الطبري
  3. تفسير سورة النحل
  4. القول في تأويل قوله تعالى "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا "
صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ( 67 ) )

يقول تعالى ذكره : ولكم أيضا أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ، مع ما نسقيكم من بطون الأنعام من اللبن الخارج من بين الفرث والدم . وحذف من قوله ( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) الاسم ، والمعنى ما وصفت ، وهو : ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه لدلالة "من" عليه ، لأن "من" تدخل في الكلام مبعضة ، فاستغني بدلالتها ومعرفة السامعين بما يقتضي من ذكر الاسم معها . وكان بعض نحويي البصرة يقول في معنى الكلام : ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون منه سكرا ، ويقول : إنما ذكرت الهاء في قوله ( تتخذون منه ) لأنه أريد بها الشيء ، وهو عندنا عائد على المتروك ، وهو "ما" . وقوله : ( تتخذون ) من صفة "ما" المتروكة .

[ ص: 241 ] واختلف أهل التأويل في معنى قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) فقال بعضهم : عنى بالسكر : الخمر ، وبالرزق الحسن : التمر والزبيب ، وقال : إنما نزلت هذه الآية قبل تحريم الخمر ، ثم حرمت بعد .

ذكر من قال ذلك :

حدثني محمد بن عبيد المحاربي ، قال : ثنا أيوب بن جابر السحيمي ، عن الأسود ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس ، قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : السكر : ما حرم من شرابه ، والرزق الحسن : ما أحل من ثمرته .

حدثنا ابن وكيع وسعيد بن الربيع الرازي ، قالا ثنا ابن عيينة ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : الرزق الحسن : ما أحل من ثمرتها ، والسكر : ما حرم من ثمرتها .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سفيان ، عن الأسود ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس مثله .

حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا الثوري ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس ، بنحوه .

حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ، قال : ثنا سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس بنحوه .

حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن الأسود بن قيس ، قال : سمعت رجلا يحدث عن ابن عباس في هذه الآية ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : السكر : ما حرم من ثمرتيهما ، والرزق الحسن : ما أحل من ثمرتيهما .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا الحسن بن صالح ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس ، بنحوه .

حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو غسان ، قال : ثنا زهير بن معاوية ، قال : ثنا الأسود بن قيس ، قال : ثني عمرو بن سفيان ، قال : سمعت ابن عباس يقول ، وذكرت عنده هذه الآية ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) [ ص: 242 ] قال : السكر : ما حرم منهما ، والرزق الحسن : ما أحل منهما .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا سفيان ، عن الأسود بن قيس ، عن عمرو بن سفيان البصري ، قال : قال ابن عباس ، في قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : فأما الرزق الحسن : فما أحل من ثمرتهما ، وأما السكر : فما حرم من ثمرتهما .

حدثني المثنى ، قال : أخبرنا الحماني ، قال : ثنا شريك ، عن الأسود ، عن عمرو بن سفيان البصري ، عن ابن عباس ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : السكر : حرامه ، والرزق الحسن : حلاله .

حدثني المثنى ، قال : أخبرنا العباس بن أبي طالب ، قال : ثنا أبو عوانة ، عن الأسود ، عن عمرو بن سفيان ، عن ابن عباس قال : السكر : ما حرم من ثمرتهما ، والرزق الحسن : ما حل من ثمرتهما .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : الرزق الحسن : الحلال ، والسكر : الحرام .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : ما حرم من ثمرتهما ، وما أحل من ثمرتهما .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، قال : السكر خمر ، والرزق الحسن الحلال .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن مسعر وسفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، قال : الرزق الحسن : الحلال ، والسكر : الحرام .

حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو نعيم ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي حصين ، عن سعيد بن جبير ، بنحوه .

حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، في هذه الآية ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : السكر : الحرام ، والرزق الحسن : الحلال .

[ ص: 243 ] حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن أبي رزين ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : نزل هذا وهم يشربون الخمر ، فكان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر .

حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، قال : ثنا شعبة ، عن المغيرة ، عن إبراهيم والشعبي وأبي رزين ، قالوا : هي منسوخة في هذه الآية ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا )

حدثنا الحسن بن عرفة ، قال : ثنا أبو قطن ، عن سعيد ، عن المغيرة ، عن إبراهيم والشعبي ، وأبي رزين بمثله .

حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، في قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : هي منسوخة نسخها تحريم الخمر .

حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا هوذة ، قال : ثنا عوف ، عن الحسن ، في قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : ذكر الله نعمته في السكر قبل تحريم الخمر

حدثني المثنى ، قال : ثنا عمرو بن عون ، قال : أخبرنا هشيم ، عن منصور وعوف ، عن الحسن ، قال السكر : ما حرم الله منه ، والرزق : ما أحل الله منه .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن أبي جعفر ، عن الربيع ، عن الحسن ، قال : الرزق الحسن : الحلال ، والسكر : الحرام .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبي ، عن سلمة ، عن الضحاك ، قال : الرزق الحسن : الحلال ، والسكر : الحرام .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة ، عن أبي يحيى بن المهلب ، عن ليث ، عن مجاهد قال : السكر : الخمر ، والرزق الحسن ، الرطب والأعناب .

حدثنا أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا شريك ، عن ليث ، عن مجاهد ( تتخذون منه سكرا ) قال : هي الخمر قبل أن تحرم .

حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى وحدثني [ ص: 244 ] الحارث ، قال : ثنا الحسن ، قال : ثنا ورقاء وحدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ( تتخذون منه سكرا ) قال : الخمر قبل تحريمها ، ( ورزقا حسنا ) قال : طعاما .

حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن مجاهد بنحوه .

حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) أما السكر : فخمور هذه الأعاجم ، وأما الرزق الحسن : فما تنتبذون ، وما تخللون ، وما تأكلون ، ونزلت هذه الآية ولم تحرم الخمر يومئذ ، وإنما جاء تحريمها بعد ذلك في سورة المائدة .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عبدة بن سليمان ، قال : قرأت على ابن أبي عذرة ، قال : هكذا سمعت قتادة ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) ثم ذكر نحو حديث بشر .

حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( سكرا ) قال : هي خمور الأعاجم ، ونسخت في سورة المائدة ، والرزق الحسن قال : ما تنتبذون وتخللون وتأكلون .

حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه ، عن ابن عباس ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) وذلك أن الناس كانوا يسمون الخمر سكرا ، وكانوا يشربونها ، قال ابن عباس مر رجال بوادي السكران الذي كانت قريش تجتمع فيه ، إذا تلقوا مسافريهم إذا جاءوا من الشام ، وانطلقوا معهم يشيعونهم حتى يبلغوا وادي السكران ثم يرجعوا منه ، ثم سماها الله بعد ذلك الخمر حين حرمت ، وقد كان ابن عباس يزعم أنها الخمر ، وكان يزعم أن الحبشة يسمون الخل السكر . قوله ( ورزقا حسنا ) يعني بذلك : الحلال التمر والزبيب ، وما كان حلالا لا يسكر .

وقال آخرون : السكر بمنزلة الخمر في التحريم ، وليس بخمر ، وقالوا : [ ص: 245 ] هو نقيع التمر والزبيب إذا اشتد وصار يسكر شاربه .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا الحكم بن بشير ، قال : ثنا عمرو ، في قوله ( ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال ابن عباس : كان هذا قبل أن ينزل تحريم الخمر والسكر حرام مثل الخمر ; وأما الحلال منه ، فالزبيب والتمر والخل ونحوه .

حدثني المثنى ، وعلي بن داود ، قالا ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس ، قوله ( تتخذون منه سكرا ) فحرم الله بعد ذلك ، يعني بعد ما أنزل في سورة البقرة من ذكر الخمر ، والميسر والأنصاب والأزلام ، السكر مع تحريم الخمر لأنه منه ، قال ( ورزقا حسنا ) فهو الحلال من الخل والنبيذ ، وأشباه ذلك ، فأقره الله وجعله حلالا للمسلمين .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن موسى ، قال : سألت مرة عن السكر ، فقال : قال عبد الله : هو خمر .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا إسرائيل ، عن أبي فروة ، عن أبي عبد الرحمن بن أبي ليلى ، قال : السكر : خمر .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا سفيان ، عن أبي الهيثم ، عن إبراهيم ، قال : السكر : خمر .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا حسن بن صالح ، عن مغيرة ، عن إبراهيم وأبي رزين ، قالا السكر : خمر .

حدثت عن الحسين ، قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد ، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله ( تتخذون منه سكرا ) يعني : ما أسكر من العنب والتمر ( ورزقا حسنا ) يعني : ثمرتها .

حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : الحلال ما كان على وجه الحلال حتى غيروها فجعلوا منها سكرا .

وقال آخرون : السكر : هو كل ما كان حلالا شربه ، كالنبيذ الحلال والخل والرطب . والرزق الحسن : التمر والزبيب .

[ ص: 246 ] ذكر من قال ذلك :

حدثني داود الواسطي ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال أبو روق : ثني قال : قلت للشعبي : أرأيت قوله تعالى ( تتخذون منه سكرا ) أهو هذا السكر الذي تصنعه النبط؟ قال : لا هذا خمر ، إنما السكر الذي قال الله تعالى ذكره : النبيذ والخل والرزق الحسن : التمر والزبيب .

حدثني يحيى بن داود ، قال : ثنا أبو أسامة ، قال : وذكر مجالد ، عن عامر ، نحوه .

حدثني أحمد بن إسحاق ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا مندل ، عن ليث ، عن مجاهد ( تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا ) قال : ما كانوا يتخذون من النخل النبيذ ، والرزق الحسن : ما كانوا يصنعون من الزبيب والتمر .

حدثنا أحمد ، قال : ثنا أبو أحمد ، قال : ثنا مندل ، عن أبي روق ، عن الشعبي ، قال : قلت له : ما تتخذون منه سكرا؟ قال : كانوا يصنعون من النبيذ والخل قلت : والرزق الحسن؟ قال : كانوا يصنعون من التمر والزبيب .

حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا أبو أسامة وأحمد بن بشير ، عن مجالد ، عن الشعبي ، قال : السكر : النبيذ والرزق الحسن : التمر الذي كان يؤكل ، وعلى هذا التأويل ، الآية غير منسوخة ، بل حكمها ثابت .

وهذا التأويل عندي هو أولى الأقوال بتأويل هذه الآية ، وذلك أن السكر في كلام العرب على أحد أوجه أربعة : أحدها : ما أسكر من الشراب . والثاني : ما طعم من الطعام ، كما قال الشاعر :


جعلت عيب الأكرمين سكرا

أي طعما . والثالث : السكون ، من قول الشاعر :


جعلت عين الحرور تسكر

[ ص: 247 ] وقد بينا ذلك فيما مضى . والرابع : المصدر من قولهم : سكر فلان يسكر سكرا وسكرا وسكرا ، فإذا كان ذلك كذلك ، وكان ما يسكر من الشراب حراما بما قد دللنا عليه في كتابنا المسمى : "لطيف القول في أحكام شرائع الإسلام" وكان غير جائز لنا أن نقول : هو منسوخ ، إذ كان المنسوخ هو ما نفى حكمه الناسخ ، وما لا يجوز اجتماع الحكم به وناسخه ، ولم يكن في حكم الله تعالى ذكره بتحريم الخمر دليل على أن السكر الذي هو غير الخمر ، وغير ما يسكر من الشراب ، حرام ، إذ كان السكر أحد معانيه عند العرب ، ومن نزل بلسانه القرآن هو كل ما طعم ، ولم يكن مع ذلك ، إذ لم يكن في نفس التنزيل دليل على أنه منسوخ ، أو ورد بأنه منسوخ خبر من الرسول ، ولا أجمعت عليه الأمة ، فوجب القول بما قلنا من أن معنى السكر في هذا الموضع : هو كل ما حل شربه ، مما يتخذ من ثمر النخل والكرم ، وفسد أن يكون معناه الخمر أو ما يسكر من الشراب ، وخرج من أن يكون معناه السكر نفسه ، إذ كان السكر ليس مما يتخذ من النخل والكرم ، ومن أن يكون بمعنى السكون .

وقوله : ( إن في ذلك لآية لقوم يعقلون ) يقول : فيما إن وصفنا لكم من نعمنا التي آتيناكم أيها الناس من الأنعام والنخل والكرم ، لدلالة واضحة وآية بينة لقوم يعقلون عن الله حججه ، ويفهمون عنه مواعظه ، فيتعظون بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية