صفحة جزء
[ ص: 445 ] القول في تأويل قوله تعالى : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه )

قال أبو جعفر : وقوله جل ثناؤه : ( فيتعلمون منهما ) ، خبر مبتدأ عن المتعلمين من الملكين ما أنزل عليهما ، وليس بجواب لقوله : ( وما يعلمان من أحد ) ، بل هو خبر مستأنف ، ولذلك رفع فقيل : "فيتعلمون" ، فمعنى الكلام إذا : وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة ، فيأبون قبول ذلك منهما ، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه .

وقد قيل : إن قوله : ( فيتعلمون ) ، خبر عن اليهود معطوف على قوله "ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت" ، " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) . وجعلوا ذلك من المؤخر الذي معناه التقديم .

والذي قلنا أشبه بتأويل الآية؛ لأن إلحاق ذلك بالذي يليه من الكلام ، ما كان للتأويل وجه صحيح ، أولى من إلحاقه بما قد حيل بينه وبينه من معترض الكلام .

و"الهاء" و"الميم" و"الألف" من قوله : ( منهما ) ، من ذكر الملكين ، ومعنى ذلك : فيتعلم الناس من الملكين الذي يفرقون به بين المرء وزوجه .

و"ما" التي مع "يفرقون" بمعنى "الذي" . وقيل : معنى ذلك : السحر الذي يفرقون به . وقيل : هو معنى غير السحر . وقد ذكرنا اختلافهم في ذلك فيما مضى قبل . [ ص: 446 ]

وأما "المرء" ، فإنه بمعنى : رجل من أسماء بني آدم ، والأنثى منه "المرأة" . يوحد ويثنى ، ولا تجمع ثلاثته على صورته ، يقال منه : "هذا امرؤ صالح ، وهذان امرآن صالحان" ، ولا يقال : هؤلاء امرؤو صدق ، ولكن يقال : "هؤلاء رجال صدق" ، وقوم صدق . وكذلك المرأة توحد وتثنى ولا تجمع على صورتها . يقال : هذه امرأة ، وهاتان امرأتان" ، ولا يقال : هؤلاء امرآت ، ولكن : "هؤلاء نسوة" .

وأما "الزوج" ، فإن أهل الحجاز يقولون لامرأة الرجل : "هي زوجه" بمنزلة الزوج الذكر ، ومن ذلك قول الله تعالى ذكره : ( أمسك عليك زوجك ) [ سورة الأحزاب : 37 ] ، وتميم وكثير من قيس وأهل نجد يقولون : "هي زوجته" ، كما قال الشاعر :


وإن الذي يمشي يحرش زوجتي كماش إلى أسد الشرى يستبيلها



فإن قال قائل : وكيف يفرق الساحر بين المرء وزوجه؟ قيل : قد دللنا فيما مضى على أن معنى "السحر" : تخييل الشيء إلى المرء بخلاف ما هو به في عينه وحقيقته ، بما فيه الكفاية لمن وفق لفهمه . فإن كان [ ص: 447 ] ذلك صحيحا بالذي استشهدنا عليه ، فتفريقه بين المرء وزوجه : تخييله بسحره إلى كل واحد منهما شخص الآخر على خلاف ما هو به في حقيقته ، من حسن وجمال ، حتى يقبحه عنده ، فينصرف بوجهه ويعرض عنه ، حتى يحدث الزوج لامرأته فراقا ، فيكون الساحر مفرقا بينهما بإحداثه السبب الذي كان منه فرقة ما بينهما ، وقد دللنا ، في غير موضع من كتابنا هذا ، على أن العرب تضيف الشيء إلى مسببه من أجل تسببه ، وإن لم يكن باشر فعل ما حدث عن السبب ، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع ، فكذلك تفريق الساحر بسحره بين المرء وزوجه . وبنحو الذي قلنا في ذلك قاله عدد من أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

1703 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة : ( فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) ، وتفريقهما : أن يؤخذ كل واحد منهما عن صاحبه ، ويبغض كل واحد منهما إلى صاحبه .

وأما الذين أبوا أن يكون الملكان يعلمان الناس التفريق بين المرء وزوجه ، فإنهم وجهوا تأويل قوله : ( فيتعلمون منهما ) إلى "فيتعلمون مكان ما علماهم ما يفرقون به بين المرء وزوجه ، كقول القائل : ليت لنا كذا من كذا" ، أي مكان كذا ، كما قال الشاعر :


جمعت من الخيرات وطبا وعلبة     وصرا لأخلاف المزنمة البزل
[ ص: 448 ] ومن كل أخلاق الكرام نميمة     وسعيا على الجار المجاور بالنجل


يريد بقوله : "جمعت من الخيرات" ، مكان خيرات الدنيا ، هذه الأخلاق الرديئة والأفعال الدنيئة ، ومنه قول الآخر :


صلدت صفاتك أن تلين حيودها     وورثت من سلف الكرام عقوقا



يعني : ورثت مكان سلف الكرام عقوقا من والديك .

التالي السابق


الخدمات العلمية