صفحة جزء
القول في تأويل قوله تعالى : ( وفاكهة كثيرة ( 32 ) لا مقطوعة ولا ممنوعة ( 33 ) وفرش مرفوعة ( 34 ) إنا أنشأناهن إنشاء ( 35 ) فجعلناهن أبكارا ( 36 ) عربا أترابا ( 37 ) لأصحاب اليمين ( 38 ) ) [ ص: 118 ]

يقول ( وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ) يقول - تعالى ذكره - : وفيها ( فاكهة كثيرة ) لا ينقطع عنهم شيء منها أرادوه في وقت من الأوقات ، كما تنقطع فواكه الصيف في الشتاء في الدنيا . ولا يمنعهم منها ، ولا يحول بينهم وبينها شوك على أشجارها ، أو بعدها منهم ، كما تمتنع فواكه الدنيا من كثير ممن أرادها ببعدها على الشجرة منهم ، أو بما على شجرها من الشوك ، ولكنها إذا اشتهاها أحدهم وقعت في فيه أو دنت منه حتى يتناولها بيده .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

وقد ذكرنا الرواية فيما مضى قبل ، ونذكر بعضا آخر منها :

حدثنا محمد بن بشار قال : ثنا سليمان قال : ثنا أبو هلال قال : ثنا قتادة في قوله : ( لا مقطوعة ولا ممنوعة ) قال : لا يمنعه شوك ولا بعد .

وقوله : ( وفرش مرفوعة ) يقول - تعالى ذكره - : ولهم فيها فرش مرفوعة طويلة ، بعضها فوق بعض ، كما يقال : بناء مرفوع .

وكالذي حدثنا أبو كريب قال : ثنا رشدين بن سعد ، عن عمرو بن الحارث ، عن دراج أبي السمح عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله

القول في تأويل قوله تعالى (
وفرش مرفوعة ) قال : " إن ارتفاعها لكما بين السماء والأرض ، وإن ما بين السماء والأرض لمسيرة خمسمائة عام " .


حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : ثنا عمرو ، عن دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( وفرش مرفوعة ) " والذي نفسي بيده إن ارتفاعها . . . " ثم ذكر مثله .

وقوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا ) يقول - تعالى ذكره - : إنا خلقناهن خلقا فأوجدناهن قال أبو عبيدة : يعني بذلك : الحور العين اللاتي ذكرهن قبل ، فقال ( وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ) ، ( إنا أنشأناهن إنشاء ) وقال الأخفش : أضمرهن ولم يذكرهن قبل ذلك . [ ص: 119 ]

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : خلقناهن خلقا .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا معاوية بن هشام ، عن شيبان ، عن جابر الجعفي ، عن يزيد بن مرة ، عن سلمة بن يزيد ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الآية ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " من الثيب والأبكار " .

وقوله : ( فجعلناهن أبكارا ) يقول : فصيرناهن أبكارا عذارى بعد إذ كن .

كما حدثنا حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن أبان الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا " .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن موسى بن عبيدة ، عن يزيد بن أبان الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : أنشأ عجائزكن في الدنيا عمشا رمصا " .

حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد قال : ثنا محمد بن ربيعة الكلابي ، عن موسى بن عبيدة الربذي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " منهن العجائز اللاتي كن في الدنيا عمشا رمصا " .

حدثنا سوار بن عبد الله بن داود ، عن موسى بن عبيدة الربذي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال : " هن اللواتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا " . [ ص: 120 ]

حدثنا ابن بشار قال : ثنا عمرو بن عاصم قال : ثنا المعتمر ، عن أبيه ، عن قتادة ، عن صفوان بن محرز في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ) قال : فهن العجز الرمص .

حدثنا ابن بشار قال : ثنا سليمان قال : ثنا أبو هلال قال : ثنا قتادة في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا ) قال : إن منهن العجز الرجف ، أنشأهن الله في هذا الخلق .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( إنا أنشأناهن إنشاء ) قال قتادة : كان صفوان بن محرز يقول : إن منهن العجز الرجف ، صيرهن الله كما تسمعون .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول : قوله : ( أبكارا ) يقول : عذارى .

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال : ثنا محمد بن الفرج الصدفي الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن ابن أبي كريمة ، عن هشام بن حسان ، عن أم سلمة ، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت : قلت يا رسول الله ، أخبرني عن قول الله ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ) قال : " هن اللواتي قبضن في الدنيا عجائز رمصا شمطا ، خلقهن الله بعد الكبر فجعلهن عذارى " .

حدثنا أبو عبيد الوصابي قال : ثنا محمد بن حمير قال : ثنا ثابت بن عجلان قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس في قوله : ( إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا ) قال : هن من بني آدم ، نساؤكن في الدنيا ينشئهن الله أبكارا عذارى عربا .

وقوله : ( عربا ) يقول - تعالى ذكره - : فجعلناهن أبكارا غنجات ، متحببات إلى أزواجهن يحسن التبعل وهي جمع ، واحدهن عروب ، كما واحد الرسل رسول ، وواحد القطف قطوف ومنه قول لبيد : [ ص: 121 ]


وفي الحدوج عروب غير فاحشة ريا الروادف يعشى دونها البصر



وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثنا أبو كريب قال : ثنا إسماعيل بن أبان ، وإسماعيل بن صبيح ، عن أبي إدريس ، عن ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ( عربا أترابا ) قال : الملقة .

حدثني علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس قوله : ( عربا ) يقول : عواشق .

حدثني محمد بن سعد قال : ثني أبي قال : ثني عمي قال : ثني أبي عن أبيه ، عن ابن عباس ( عربا ) قال : العرب المتحببات المتوددات إلى أزواجهن .

حدثني سليمان بن عبيد الله الغيلاني قال : ثنا أيوب قال : أخبرنا قرة ، عن الحسن قال : العرب : العشق .

حدثني محمد بن المثنى قال : ثنا محمد بن جعفر قال : ثنا شعبة ، عن سماك ، عن عكرمة ، أنه قال في هذه الآية ( عربا ) قال : العرب المغنوجة .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن شعبة ، عن سماك عن عكرمة قال : هي المغنوجة .

حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية قال : ثنا عمارة بن أبي حفصة ، [ ص: 122 ] عن عكرمة في قوله : ( عربا ) قال : غنجات .

حدثني علي بن الحسن الأزدي قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن أبي إسحاق التيمي ، عن صالح بن حيان ، عن أبي بريدة ( عربا ) قال : الشكلة بلغة مكة ، والغنجة بلغة المدينة .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان قال : سمعت إبراهيم التيمي يعني ابن الزبرقان ، عن صالح بن حيان ، عن أبي يزيد بنحوه .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن عثمان بن بشار ، عن تميم بن حذلم قوله : ( عربا ) قال : حسن تبعل المرأة .

حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم قال : أخبرنا مغيرة ، عن عثمان بن بشار ، عن تميم بن حذلم في ( عربا ) قال : العربة : الحسنة التبعل . قال : وكانت العرب تقول للمرأة إذا كانت حسنة التبعل : إنها لعربة .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن أسامة بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ( عربا ) قال : حسنات الكلام .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن خصيف ، ، عن مجاهد قال : عواشق .

قال : ثنا ابن يمان ، عن شريك ، عن خصيف ، عن مجاهد ، وعكرمة مثله .

قال : ثنا ابن إدريس ، عن حصين ، عن مجاهد في ( عربا ) قال : العرب المتحببات .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن خصيف ، عن مجاهد ( عربا ) قال : العرب : العواشق .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن سفيان ، عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير مثله .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن غالب [ ص: 123 ] أبي الهذيل ، عن سعيد بن جبير ( عربا ) قال : العرب اللاتي يشتهين أزواجهن .

حدثنا أبو كريب قال : ثنا ابن يمان ، عن المبارك بن فضالة ، عن الحسن قال : المشتهية لبعولتهن .

قال : ثنا ابن إدريس قال : أخبرنا عثمان بن الأسود ، عن عبد الله بن عبيد الله قال : العرب : التي تشتهي زوجها .

حدثنا ابن حميد قال : ثنا مهران ، عن عثمان بن الأسود ، عن عبد الله بن عبيد بن عمير ( عربا ) قال : العربة : التي تشتهي زوجها ألا ترى أن الرجل يقول للناقة : إنها لعربة ؟

حدثنا ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ( عربا ) قال : عشقا لأزواجهن .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة قوله : ( عربا أترابا ) يقول : عشق لأزواجهن ، يحببن أزواجهن حبا شديدا .

حدثت عن الحسين قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد ، يقول : سمعت الضحاك يقول : العرب : المتحببات .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : ( عربا أترابا ) قال : متحببات إلى أزواجهن .

حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : ( عربا ) قال : العرب : الحسنة الكلام .

حدثنا ابن البرقي قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة قال : سئل الأوزاعي ، عن ( عربا ) قال : سمعت يحيى يقول : هن العواشق .

حدثنا أحمد بن عبد الرحمن قال : ثنا محمد بن الفرج الصدفي [ ص: 124 ] الدمياطي ، عن عمرو بن هاشم ، عن أبي كريمة ، عن هشام بن حسان ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، قالت : قلت يا رسول الله ، أخبرني عن قوله : ( عربا أترابا ) قال : " عربا متعشقات متحببات ، أترابا على ميلاد واحد " .

حدثني محمد بن حفص أبو عبيد الوصابي قال : ثنا محمد بن حمير قال : ثنا ثابت بن عجلان قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس ( عربا ) والعرب : الشوق .

واختلف القراء في قراءة ذلك ، فقرأه بعض قراء المدينة وبعض قراء الكوفيين عربا بضم العين والراء . وقرأه بعض قراء الكوفة والبصرة " عربا " بضم العين وتخفيف الراء ، وهي لغة تميم وبكر ، والضم في الحرفين أولى القراءتين بالصواب ؛ لما ذكرت من أنها جمع عروب ، وإن كان فعول أو فعيل أو فعال إذا جمع ، جمع على فعل بضم الفاء والعين ، مذكرا كان أو مؤنثا ، والتخفيف في العين جائز ، وإن كان الذي ذكرت أقصى الكلامين عن وجه التخفيف .

وقوله : ( أترابا ) يعني أنهن مستويات على سن واحدة ، واحدتهن ترب ، كما يقال : شبه وأشباه .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

حدثني علي بن الحسين بن الحارث قال : ثنا محمد بن ربيعة ، عن سلمة بن سابور ، عن عطية ، عن ابن عباس قال : الأتراب : المستويات .

حدثني محمد بن عمرو قال : ثنا أبو عاصم قال : ثنا عيسى وحدثني الحارث قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد قوله : ( أترابا ) قال : أمثالا .

حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( أترابا ) يعني : سنا واحدة . [ ص: 125 ]

حدثني ابن عبد الأعلى قال : ثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن قتادة مثله .

حدثت عن الحسين ، قال سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد قال : سمعت الضحاك يقول : في قوله : ( أترابا ) قال : الأتراب : المستويات .

وقوله : ( لأصحاب اليمين ) يقول - تعالى ذكره - : أنشأنا هؤلاء اللواتي وصف صفتهن من الأبكار للذين يؤخذ بهم ذات اليمين من موقف الحساب إلى الجنة .

التالي السابق


الخدمات العلمية