1. الرئيسية
  2. تفسير الطبري
  3. تفسير سورة البقرة
  4. القول في تأويل قوله تعالى "إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم "
صفحة جزء
[ ص: 259 ] القول في تأويل قوله تعالى ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ( 160 ) )

قال أبو جعفر : يعني تعالى ذكره بذلك : أن الله واللاعنين يلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنزله الله وبينه للناس ، إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم ؛ وراجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ، والإقرار به وبنبوته ، وتصديقه فيما جاء به من عند الله ، وبيان ما أنزل الله في كتبه التي أنزل إلى أنبيائه ، من الأمر باتباعه ؛ وأصلح حال نفسه بالتقرب إلى الله من صالح الأعمال بما يرضيه عنه ؛ وبين الذي علم من وحي الله الذي أنزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه ، وأظهره فلم يخفه "فأولئك " ، يعني : هؤلاء الذين فعلوا هذا الذي وصفت منهم ، هم الذين أتوب عليهم ، فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي ، والإنابة إلى مرضاتي .

ثم قال تعالى ذكره : "وأنا التواب الرحيم " ، يقول : وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنى إلي ، والرادها بعد إدبارها عن طاعتي إلى طلب محبتي ، والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إلي ، أتغمدهم مني بعفو ، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم ، بفضل رحمتي لهم .

فإن قال قائل : وكيف يتاب على من تاب ؟ وما وجه قوله : "إلا الذين تابوا فأولئك أتوب عليهم " ؟ وهل يكون تائب إلا وهو متوب عليه ، أو متوب عليه إلا وهو تائب ؟

قيل : ذلك مما لا يكون أحدهما إلا والآخر معه ، فسواء قيل : إلا الذين تيب عليهم فتابوا - أو قيل : إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم . وقد بينا وجه ذلك [ ص: 260 ] فيما جاء من الكلام هذا المجيء ، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا ، فكرهنا إعادته في هذا الموضع .

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل .

ذكر من قال ذلك :

2390 - حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد قال : حدثنا سعيد ، عن قتادة في قوله : " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " ، يقول : أصلحوا فيما بينهم وبين الله ، وبينوا الذي جاءهم من الله ، فلم يكتموه ولم يجحدوا به : أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم .

2391 - حدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله : "إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا " قال : بينوا ما في كتاب الله للمؤمنين ، وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم . وهذا كله في يهود .

قال أبو جعفر : وقد زعم بعضهم أن معنى قوله : "وبينوا " ، إنما هو : وبينوا التوبة بإخلاص العمل . ودليل ظاهر الكتاب والتنزيل بخلافه ؛ لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية ، على كتمانهم ما أنزل الله تعالى ذكره وبينه في كتابه ، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه ، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان ، فأخرجهم من عداد من يلعنه الله ويلعنه اللاعنون ، ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل .

والذين استثنى الله من الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد [ ص: 261 ] ما بينه للناس في الكتاب ، عبد الله بن سلام وذووه من أهل الكتاب ، الذين أسلموا فحسن إسلامهم ، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية