صفحة جزء
باب من جر ثوبه من الخيلاء

5451 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا
[ ص: 270 ] قوله : ( باب من جر ثوبه من الخيلاء ) أي بسبب الخيلاء ، أورد فيه ثلاثة أحاديث :

الأول حديث أبي هريرة بلفظ لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا ومثله لأبي داود والنسائي في حديث أبي سعيد المذكور قريبا . والبطر بموحدة ومهملة مفتوحتين قال عياض : جاء في الرواية " بطرا " بفتح الطاء على المصدر وبكسرها على الحال من فاعل جر أي جره تكبرا وطغيانا ، وأصل البطر الطغيان عند النعمة ، واستعمل بمعنى التكبر . وقال الراغب : أصل البطر دهش يعتري المرء عند هجوم النعمة عن القيام بحقها .

قوله : ( لا ينظر الله ) أي لا يرحمه ، فالنظر إذا أضيف إلى الله كان مجازا ، وإذا أضيف إلى المخلوق كان كناية ، ويحتمل أن يكون المراد لا ينظر الله إليه نظر رحمة . وقال شيخنا في " شرح الترمذي " عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر لأن من نظر إلى متواضع رحمه ومن نظر إلى متكبر مقته ، فالرحمة والمقت متسببان عن النظر . وقال الكرماني : نسبة النظر لمن يجوز عليه النظر كناية ، لأن من اعتد بالشخص التفت إليه ، ثم كثر حتى صار عبارة عن الإحسان وإن لم يكن هناك نظر ، ولمن لا يجوز عليه حقيقة النظر وهو تقليب الحدقة والله منزه عن ذلك ، فهو بمعنى الإحسان مجاز عما وقع في حق غيره كناية ، وقوله : يوم القيامة إشارة إلى أنه محل الرحمة المستمرة ، بخلاف رحمة الدنيا فإنها قد تنقطع بما يتجدد من الحوادث . ويؤيد ما ذكر من حمل النظر على الرحمة أو المقت ما أخرجه الطبراني وأصله في أبي داود من حديث أبي جري إن رجلا ممن كان قبلكم لبس بردة فتبختر فيها ، فنظر الله إليه فمقته ، فأمر الأرض فأخذته الحديث .

قوله : ( من ) يتناول الرجال والنساء في الوعيد المذكور على هذا الفعل المخصوص ، وقد فهمت ذلك أم سلمة - رضي الله عنها فأخرج النسائي والترمذي وصححه من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر متصلا بحديثه المذكور في الباب الأول " فقالت أم سلمة : فكيف تصنع النساء بذيولهن ؟ فقال : يرخين شبرا ، فقالت : إذا تنكشف أقدامهن ; قال : فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه " لفظ الترمذي . وقد عزا بعضهم هذه الزيادة لمسلم فوهم ، فإنها ليست عنده ، وكأن مسلما أعرض عن هذه الزيادة للاختلاف فيها على نافع ، فقد أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهما من طريق عبيد الله بن عمر عن سليمان بن يسار عن أم سلمة ، وأخرجه أبو داود من طريق أبي بكر بن نافع والنسائي من طريق أيوب بن موسى ومحمد بن إسحاق ثلاثتهم عن نافع عن صفية بنت أبي عبيد عن أم سلمة ، وأخرجه النسائي من رواية يحيى بن أبي كثير عن نافع عن أم سلمة نفسها وفيه اختلافات أخرى ، ومع ذلك فله شاهد من حديث ابن عمر أخرجه أبو داود من رواية أبي الصديق عن ابن عمر قال : " رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأمهات المؤمنين شبرا ، ثم استزدنه فزادهن شبرا ، فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا " وأفادت هذه الرواية قدر الذراع المأذون فيه وأنه شبران بشبر اليد المعتدلة ، ويستفاد من هذا الفهم التعقب على من قال : إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء ، قال النووي : ظواهر الأحاديث في تقييدها بالجر خيلاء يقتضي أن التحريم مختص بالخيلاء ، ووجه التعقب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى ، بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا ، فسألت عن حكم النساء في ذلك لاحتياجهن إلى الإسبال من أجل ستر العورة ، لأن جميع قدمها عورة ، فبين لها أن حكمهن في ذلك خارج عن حكم الرجال في هذا المعنى فقط وقد نقل عياض الإجماع على أن المنع في حق الرجال دون النساء ، ومراده منع الإسبال لتقريره - صلى الله عليه وسلم - أم سلمة على فهمها . إلا أنه بين لها أنه عام مخصوص لتفرقته في الجواب بين الرجال والنساء في الإسبال ، وتبيينه [ ص: 271 ] القدر الذي يمنع ما بعده في حقهن كما بين ذلك في حق الرجال . والحاصل أن للرجال حالين : حال استحباب ، وهو أن يقتصر بالإزار على نصف الساق وحال جواز وهو إلى الكعبين . وكذلك للنساء حالان حال استحباب وهو ما يزيد على ما هو جائز للرجال بقدر الشبر وحال جواز بقدر ذراع . ويؤيد هذا التفصيل في حق النساء ما أخرجه الطبراني في " الأوسط " من طريق معتمر عن حميد عن أنس " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبر لفاطمة من عقبها شبرا وقال : هذا ذيل المرأة " وأخرجه أبو يعلى بلفظ " شبر من ذيلها شبرا أو شبرين وقال لا تزدن على هذا " ولم يسم فاطمة . قال الطبراني : تفرد به معتمر عن حميد . قلت : و " أو " شك من الراوي ، والذي جزم بالشبر هو المعتمد ، ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أم سلمة " أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبر لفاطمة شبرا " ويستنبط من سياق الأحاديث أن التقييد بالجر خرج للغالب ، وأن البطر والتبختر مذموم ولو لمن شمر ثوبه ، والذي يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة الله عليه مستحضرا لها شاكرا عليها غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات ، ولو كان في غاية النفاسة . ففي صحيح مسلم عن ابن مسعود " أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال رجل : إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة ، فقال : إن الله جميل يحب الجمال ، الكبر بطر الحق وغمط الناس " . وقوله : " وغمط " بفتح المعجمة وسكون الميم ثم مهملة : الاحتقار . وأما ما أخرجه الطبري من حديث علي " إن الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه " فيدخل في قوله - تعالى - : تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض الآية فقد جمع الطبري بينه وبين حديث ابن مسعود بأن حديث علي محمول على من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه ، لا من أحب ذلك ابتهاجا بنعمة الله عليه ، فقد أخرج الترمذي وحسنه من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وله شاهد عند أبي يعلى من حديث أبي سعيد ، وأخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن حبان والحاكم من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك الجشمي عن أبيه " إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ورآه رث الثياب : إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك " أي بأن يلبس ثيابا تليق بحاله من النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه ، مع مراعاة القصد وترك الإسراف جمعا بين الأدلة .

( تكملة ) : الرجل الذي أبهم في حديث ابن مسعود هو سواد بن عمرو الأنصاري ، وأخرجه الطبري من طريقه ، ووقع ذلك لجماعة غيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية