صفحة جزء
باب لبس الحرير وافتراشه للرجال وقدر ما يجوز منه

5490 حدثنا آدم حدثنا شعبة حدثنا قتادة قال سمعت أبا عثمان النهدي أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الحرير إلا هكذا وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام قال فيما علمنا أنه يعني الأعلام
[ ص: 296 ] قوله : ( باب لبس الحرير للرجال ، وقدر ما يجوز منه ) أي في بعض الثياب . ووقع في " شرح ابن بطال " و " مستخرج أبي نعيم " زيادة افتراشه في الترجمة ، والأولى ما عند الجمهور ، وقد ترجم للافتراش مستقلا كما سيأتي بعد أبواب . والحرير معروف ، وهو عربي سمي بذلك لخلوصه يقال لكل خالص محرر ، وحررت الشيء خلصته من الاختلاط بغيره . وقيل : هو فارسي معرب ، والتقييد بالرجال يخرج النساء ، وسيأتي في ترجمة [ ص: 297 ] مستقلة . قال ابن بطال : اختلف في الحرير فقال قوم : يحرم لبسه في كل الأحوال حتى على النساء ، نقل ذلك عن علي وابن عمر وحذيفة وأبي موسى وابن الزبير ، ومن التابعين عن الحسن وابن سيرين ، وقال قوم : يجوز لبسه مطلقا وحملوا الأحاديث الواردة في النهي عن لبسه على من لبسه خيلاء أو على التنزيه . قلت : وهذا الثاني ساقط لثبوت الوعيد على لبسه . وأما قول عياض : حمل بعضهم النهي العام في ذلك على الكراهة لا على التحريم ، فقد تعقبه ابن دقيق العيد فقال : قد قال القاضي عياض : إن الإجماع انعقد بعد ابن الزبير ومن وافقه على تحريم الحرير على الرجال وإباحته للنساء ، ذكر ذلك في الكلام على قول ابن الزبير في الطريق التي أخرجها مسلم " ألا لا تلبسوا نساءكم الحرير ، فإني سمعت عمر " فذكر الحديث الآتي في الباب ، قال : فإثبات قول بالكراهة دون التحريم إما أن ينقض ما نقله من الإجماع وإما أن يثبت أن الحكم العام قبل التحريم على الرجال كان هو الكراهة ثم انعقد الإجماع على التحريم على الرجال والإباحة للنساء ، ومقتضاه نسخ الكراهة السابقة ، وهو بعيد جدا . وأما ما أخرج عبد الرزاق عن معمر عن ثابت عن أنس قال : " لقي عمر عبد الرحمن بن عوف فنهاه عن لبس الحرير فقال : لو أطعتنا للبسته معنا ، وهو يضحك " فهو محمول على أن عبد الرحمن فهم من إذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له في لبس الحرير نسخ التحريم ولم ير تقييد الإباحة بالحاجة كما سيأتي ، واختلف في علة تحريم الحرير على رأيين مشهورين : أحدهما الفخر والخيلاء ، والثاني : لكونه ثوب رفاهية فيليق بزي النساء دون شهامة الرجال . ويحتمل علة ثالثة وهي التشبه بالمشركين . قال ابن دقيق العيد : وهذا قد يرجع إلى الأول لأنه من سمة المشركين ، وقد يكون المعنيان معتبرين إلا أن المعنى الثاني لا يقتضي التحريم لأن الشافعي قال في " الأم " : ولا أكره لباس اللؤلؤ إلا للأدب فإنه زي النساء . واستشكل بثبوت اللعن للمتشبهين من الرجال بالنساء فإنه يقتضي منع ما كان مخصوصا بالنساء في جنسه وهيئته . وذكر بعضهم علة أخرى وهي السرف والله أعلم . والمذكور في هذا الباب خمسة أحاديث :

الحديث الأول حديث عمر ذكره من طرق الأولى :

قوله : ( سمعت أبا عثمان النهدي قال : أتانا كتاب عمر ) كذا قال أكثر أصحاب قتادة وشذ عمر بن عامر فقال عن قتادة عن أبي عثمان عن عثمان فذكر المرفوع ، وأخرجه البزار وأشار إلى تفرده به ، فلو كان ضابطا لقلنا سمعه أبو عثمان من كتاب عمر ثم سمعه من عثمان بن عفان ، لكن طرق الحديث تدل على أنه عن عمر لا عن عثمان ، وقد ذكره أصحاب الأطراف في ترجمة أبي عثمان عن عمر ، وفيه نظر لأن المقصود بالكتابة إليه هو عتبة بن فرقد ، وأبو عثمان سمع الكتاب يقرأ ، فإما أن تكون روايته له عن عمر بطريق الوجادة وإما أن يكون بواسطة المكتوب إليه وهو عتبة بن فرقد ، ولم يذكروه في رواية أبي عثمان عن عتبة ، وقد نبه الدارقطني على أن هذا الحديث أصل في جواز الرواية بالكتابة عند الشيخين ، قال ذلك بعد أن استدركه عليهما ، وفي ذلك رجوع منه عن الاستدراك عليه ، والله أعلم .

قوله : ( ونحن مع عتبة بن فرقد ) صحابي مشهور سمي أبوه باسم النجم ، واسم جده يربوع ، بن حبيب بن مالك السلمي ، ويقال إن يربوع هو فرقد وأنه لقب له ، وكان عتبة أميرا لعمر في فتوح بلاد الجزيرة .

قوله : ( بأذربيجان ) تقدم ضبطها في أوائل كتاب فضائل القرآن ، وذكر المعافى في " تاريخ الموصل " أن عتبة هو الذي افتتحها سنة ثماني عشرة . وروى شعبة عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن أم عاصم امرأة [ ص: 298 ] عتبة " أن عتبة غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوتين " وأما قول المعافى إنه شهد خيبر وقسم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها فلم يوافق على ذلك ، وإنما أول مشاهده حنين روينا في " المعجم الصغير للطبراني " من طريق أم عاصم امرأة عتبة عن عتبة قال : " أخذني الشرى على عهد رسول الله ، فأمرني فتجردت فوضع يده على بطني وظهري فعبق بي الطيب من يومئذ " قالت أم عاصم : كنا عنده أربع نسوة فكنا نجتهد في الطيب وما كان هو يمسه وإنه كان لأطيبنا ريحا .

قوله : ( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ) زاد الإسماعيلي فيه من طريق علي بن الجعد عن شعبة بعد قوله مع عتبة بن فرقد " أما بعد فاتزروا وارتدوا وانتعلوا وألقوا الخفاف والسراويلات ، وعليكم بلباس أبيكم إسماعيل ، وإياكم والتنعم وزي العجم ، وعليكم بالشمس فإنها حمام العرب ، وتمعددوا واخشوشنوا واخلولقوا واقطعوا الركب وانزوا نزوا وارموا الأغراض ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " الحديث .

قوله : ( نهى عن الحرير ) أي عن لبس الحرير كما في الرواية التي تلي هذه .

قوله : ( إلا هكذا ) زاد الإسماعيلي في روايته من هذا الوجه : وهكذا .

قوله : ( وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام ) المشير بذلك يأتي في رواية عاصم ما يقتضي أنه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما سأبينه . قوله : " اللتين تليان الإبهام " يعني السبابة والوسطى ، وصرح بذلك في رواية عاصم .

قوله : ( فيما علمنا أنه يعني الأعلام ) بفتح الهمزة جمع علم بالتحريك أي الذي حصل في علمنا أن المراد بالمستثنى الأعلام وهو ما يكون في الثياب من تطريف وتطريز ونحوهما . ووقع في رواية مسلم والإسماعيلي " فما " بفتح الفاء بعدها حرف نفي " عتمنا " بمثناة بدل اللام أي ما أبطأنا " في معرفة ذلك لما سمعناه " قالأبو عبيد العاتم البطيء ، يقال : عتم الرجل القرى إذا أخره . الطريق الثانية ،

التالي السابق


الخدمات العلمية