صفحة جزء
باب الوصاة بالجار وقول الله تعالى واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا إلى قوله مختالا فخورا

5668 حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال حدثني مالك عن يحيى بن سعيد قال أخبرني أبو بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما زال يوصيني جبريل بالجار حتى ظننت أنه سيورثه
قوله : ( باب الوصاة بالجار ) بفتح الواو وتخفيف الصاد المهملة مع المد لغة في الوصية ، وكذا الوصاية بإبدال الهمزة ياء وهما بمعنى ، لكن الأول من أوصيت والثاني من وصيت .

( تنبيه ) : وقع في شرح شيخنا ابن الملقن هنا بسملة وبعدها كتاب البر والصلة ولم أر ذلك في شيء من الروايات التي اتصلت لنا ، ويؤيد ما عندنا أن أحاديث صلة الرحم تقدمت وأحاديث بر الوالدين قبلها والوصية بالجار وما يتعلق بها ذكرت هنا وتلاها باقي أبواب الأدب وقوله هنا بعد الباب : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا يؤيد ذلك لأنه بوب على ترتيب ما في هذه الآية ، فبدأ ببر الوالدين وثنى بذي القربى وثلث بالجار وربع بالصاحب . ولم يقع ذلك أيضا في مستخرج الإسماعيلي ولا أبي نعيم .

قوله : ( وقول الله - تعالى - : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا الآية ) كذا لأبي ذر وللباقين بعد قوله : إحسانا إلى قوله : مختالا فخورا وللنسفي وقوله - تعالى - : وبالوالدين إحسانا الآية ، والمراد من هذه الآية هنا قوله - تعالى - : والجار ذي القربى والجار الجنب وثبت للنسفي البسملة قبل الباب وكأنه للانتقال إلى نوع غير الذي قبله ، ورأيت في شرح شيخنا سراج الدين بن الملقن كتاب البر والصلة ولم أره لغيره ، والجار القريب من بينهما قرابة والجار الجنب بخلافه وهذا قول الأكثر ، وأخرجه الطبري بسند حسن عن ابن عباس ، وقيل الجار القريب المسلم والجار الجنب غيره وأخرجه أيضا الطبري عن نوف البكالي أحد التابعين ، وقيل : الجار القريب المرأة والجنب الرفيق في السفر . ثم ذكر فيه حديثين :

[ ص: 456 ] الأول حديث عائشة .

قوله : ( أبو بكر بن محمد ) أي ابن عمرو بن حزم ، وعمرة هي أمه ، والسند كله كوفيون ، وفيه ثلاثة من التابعين في نسق ، وقد سمع يحيى بن سعيد وهو الأنصاري من عمرة كثيرا وربما دخل بينهما واسطة مثل هذا ، وروايته عن أبي بكر المذكور من الأقران .

قوله : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) أي يأمر عن الله بتوريث الجار من جاره . واختلف في المراد بهذا التوريث فقيل : يجعل له مشاركة في المال بفرض سهم يعطاه مع الأقارب ، وقيل : المراد أن ينزل منزلة من يرث بالبر والصلة ، والأول أظهر فإن الثاني استمر ، والخبر مشعر بأن التوريث لم يقع . ويؤيده ما أخرجه البخاري من حديث جابر نحو حديث الباب بلفظ حتى ظننت أنه يجعل له ميراثا وقال ابن أبي جمرة : الميراث على قسمين حسي ومعنوي ، فالحسي هو المراد هنا ، والمعنوي ميراث العلم ، ويمكن أن يلحظ هنا أيضا فإن حق الجار على الجار أن يعلمه ما يحتاج إليه والله أعلم . واسم الجار يشمل المسلم والكافر والعابد والفاسق والصديق والعدو والغريب والبلدي والنافع والضار والقريب والأجنبي والأقرب دارا والأبعد ، وله مراتب بعضها أعلى من بعض ، فأعلاها من اجتمعت فيه الصفات الأول كلها ثم أكثرها وهلم جرا إلى الواحد ، وعكسه من اجتمعت فيه الصفات الأخرى كذلك ، فيعطى كل حقه بحسب حاله ، وقد تتعارض صفتان فأكثر فيرجح أو يساوي ، وقد حمله عبد الله بن عمرو أحد من روى الحديث على العموم ، فأمر لما ذبحت له شاة أن يهدى منها لجاره اليهودي ، أخرجه البخاري في " الأدب المفرد " والترمذي وحسنه ، وقد وردت الإشارة إلى ما ذكرته في حديث مرفوع أخرجه الطبراني من حديث جابر رفعه الجيران ثلاثة : جار له حق وهو المشرك له حق الجوار ، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام ، وجار له ثلاثة حقوق مسلم له رحم له حق الجوار والإسلام والرحم قال القرطبي : الجار يطلق ويراد به الداخل في الجوار ، ويطلق ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب ، والذي يظهر أنه المراد به في الحديث الثاني ; لأن الأول كان يرث ويورث ، فإن كان هذا الخبر صدر قبل نسخ التوريث بين المتعاقدين فقد كان ثابتا فكيف يترجى وقوعه ؟ وإن كان بعد النسخ فكيف يظن رجوعه بعد رفعه ؟ فتعين أن المراد به المجاور في الدار . وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : حفظ الجار من كمال الإيمان ، وكان أهل الجاهلية يحافظون عليه ، ويحصل امتثال الوصية به بإيصال ضروب الإحسان إليه بحسب الطاقة كالهدية ، والسلام ، وطلاقة الوجه عند لقائه ، وتفقد حاله ، ومعاونته فيما يحتاج إليه إلى غير ذلك . وكف أسباب الأذى عنه على اختلاف أنواعه حسية كانت أو معنوية . وقد نفى - صلى الله عليه وسلم - الإيمان عمن لم يأمن جاره بوائقه كما في الحديث الذي يليه ، وهي مبالغة تنبئ عن تعظيم حق الجار وأن إضراره من الكبائر . قال : ويفترق الحال في ذلك بالنسبة للجار الصالح وغير الصالح . والذي يشمل الجميع إرادة الخير له ، وموعظته بالحسنى ، والدعاء له بالهداية ، وترك الإضرار له إلا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار له بالقول والفعل ، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم ، وغير الصالح كفه عن الذي يرتكبه بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ويعظ الكافر بعرض الإسلام عليه ويبين محاسنه والترغيب فيه برفق ، ويعظ الفاسق بما يناسبه بالرفق أيضا ويستر عليه زلله عن غيره ، وينهاه برفق ، فإن أفاد فبه وإلا فيهجره قاصدا تأديبه على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف ، وسيأتي القول في حد الجار في " باب حق الجوار " قريبا انتهى ملخصا .

التالي السابق


الخدمات العلمية