صفحة جزء
باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل

59 حدثنا محمد بن سنان قال حدثنا فليح ح وحدثني إبراهيم بن المنذر قال حدثنا محمد بن فليح قال حدثني أبي قال حدثني هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس يحدث القوم جاءه أعرابي فقال متى الساعة فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدث فقال بعض القوم سمع ما قال فكره ما قال وقال بعضهم بل لم يسمع حتى إذا قضى حديثه قال أين أراه السائل عن الساعة قال ها أنا يا رسول الله قال فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة قال كيف إضاعتها قال إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة
[ ص: 170 ] قوله : ( كتاب العلم . بسم الله الرحمن الرحيم . باب فضل العلم ) هكذا في رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما . وفي رواية أبي ذر تقديم البسملة ، وقد قدمنا توجيه ذلك في كتاب الإيمان . وليس في رواية المستملي لفظ باب ولا في رواية رفيقه لفظ كتاب العلم .

( فائدة ) : قال القاضي أبو بكر بن العربي : بدأ المصنف بالنظر في فضل العلم قبل النظر في حقيقته ، وذلك لاعتقاده أنه في نهاية الوضوح فلا يحتاج إلى تعريف ، أو لأن النظر في حقائق الأشياء ليس من فن الكتاب ، وكل من القدرين ظاهر ; لأن البخاري لم يضع كتابة لحدود الحقائق وتصورها ، بل هو جار على أساليب العرب القديمة ، فإنهم يبدءون بفضيلة المطلوب للتشويق إليه إذا كانت حقيقته مكشوفة معلومة . وقد أنكر ابن العربي في شرح الترمذي على من تصدى لتعريف العلم وقال : هو أبين من أن يبين . قلت : وهذه طريقة الغزالي وشيخه الإمام أن العلم لا يحد لوضوحه أو لعسره .

قوله : ( وقول الله عز وجل ) ضبطناه في الأصول بالرفع عطفا على كتاب أو على الاستئناف .

قوله : يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات قيل في تفسيرها : يرفع الله المؤمن العالم على المؤمن غير العالم . ورفعة الدرجات تدل على الفضل ، إذ المراد به كثرة الثواب ، وبها ترتفع الدرجات ، ورفعتها تشمل المعنوية في الدنيا بعلو المنزلة وحسن الصيت ، والحسية في الآخرة بعلو المنزلة في الجنة . وفي صحيح مسلم عن نافع بن عبد الحارث الخزاعي - وكان عامل عمر على مكة - أنه لقيه بعسفان فقال له : من استخلفت ؟ فقال : استخلفت ابن أبزى مولى لنا . فقال عمر : استخلفت مولى ؟ قال : إنه قارئ لكتاب الله ، عالم بالفرائض . فقال عمر : أما إن نبيكم قد قال إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين . وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى نرفع درجات من نشاء قال بالعلم .

قوله : ( وقوله عز وجل : رب زدني علما ) واضح الدلالة في فضل العلم ; لأن الله تعالى لم يأمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم ، والمراد بالعلم العلم الشرعي الذي يفيد معرفة ما يجب [ ص: 171 ] على المكلف من أمر عباداته ومعاملاته ، والعلم بالله وصفاته ، وما يجب له من القيام بأمره ، وتنزيهه عن النقائص ، ومدار ذلك على التفسير والحديث والفقه ، وقد ضرب هذا الجامع الصحيح في كل من الأنواع الثلاثة بنصيب ، فرضي الله عن مصنفه ، وأعاننا على ما تصدينا له من توضيحه بمنه وكرمه . فإن قيل : لم لم يورد المصنف في هذا الباب شيئا من الحديث ؟ فالجواب أنه إما أن يكون اكتفى بالآيتين الكريمتين ، وإما بيض له ليلحق فيه ما يناسبه فلم يتيسر ، وإما أورد فيه حديث ابن عمر الآتي بعد باب رفع العلم ويكون وضعه هناك من تصرف بعض الرواة ، وفيه نظر على ما سنبينه هناك إن شاء الله تعالى .

ونقل الكرماني عن بعض أهل الشام أن البخاري بوب الأبواب وترجم التراجم وكتب الأحاديث وربما بيض لبعضها ليلحقه . وعن بعض أهل العراق أنه تعمد بعد الترجمة عدم إيراد الحديث إشارة إلى أنه لم يثبت فيه شيء عنده على شرطه . قلت : والذي يظهر لي أن هذا محله حيث لا يورد فيه آية أو أثرا . أما إذا أورد آية أو أثرا فهو إشارة منه إلى ما ورد في تفسير تلك الآية ، وأنه لم يثبت فيه شيء على شرطه ، وما دلت عليه الآية كاف في الباب ، وإلى أن الأثر الوارد في ذلك يقوى به طريق المرفوع وإن لم يصل في القوة إلى شرطه . والأحاديث في فضل العلم كثيرة ، صحح مسلم منها حديث أبي هريرة رفعه من التمس طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة . ولم يخرجه البخاري لأنه اختلف فيه على الأعمش ، والراجح أنه بينه وبين أبي صالح فيه واسطة . والله أعلم .

قوله : ( باب من سئل علما وهو مشتغل ) محصله التنبيه على أدب العالم والمتعلم ، أما العالم فلما تضمنه من ترك زجر السائل ، بل أدبه بالإعراض عنه أولا حتى استوفى ما كان فيه ، ثم رجع إلى جوابه فرفق به لأنه من الأعراب وهم جفاة . وفي العناية جواب سؤال السائل ولو لم يكن السؤال متعينا ولا الجواب ، وأما المتعلم فلما تضمنه من أدب السائل أن لا يسأل العالم وهو مشتغل بغيره لأن حق الأول مقدم . ويؤخذ منه أخذ الدروس على السبق ، وكذلك الفتاوى والحكومات ونحوها . وفيه مراجعة العالم إذا لم يفهم ما يجيب به حتى [ ص: 172 ] يتضح ، لقوله " كيف إضاعتها ، وبوب عليه ابن حبان " إباحة إعفاء المسئول عن الإجابة على الفور " ولكن سياق القصة يدل على أن ذلك ليس على الإطلاق ، وفيه إشارة إلى أن العلم سؤال وجواب ، ومن ثم قيل حسن السؤال نصف العلم ، وقد أخذ بظاهر هذه القصة مالك وأحمد وغيرهما في الخطبة فقالوا : لا نقطع الخطبة لسؤال سائل ، بل إذا فرغ نجيبه . وفصل الجمهور بين أن يقع ذلك في أثناء واجباتها فيؤخر الجواب ، أو في غير الواجبات فيجيب . والأولى حينئذ التفصيل ، فإن كان مما يهتم به في أمر الدين ، ولا سيما إن اختص بالسائل فيستحب إجابته ثم يتم الخطبة ، وكذا بين الخطبة والصلاة ، وإن كان بخلاف ذلك فيؤخر ، وكذا قد يقع في أثناء الواجب ما يقتضي تقديم الجواب ، لكن إذا أجاب استأنف على الأصح ، ويؤخذ ذلك كله من اختلاف الأحاديث الواردة في ذلك ، فإن كان السؤال من الأمور التي ليست معرفتها على الفور مهمة فيؤخر كما في هذا الحديث ، ولا سيما إن كان ترك السؤال عن ذلك أولى . وقد وقع نظيره في الذي سأل عن الساعة وأقيمت الصلاة ، فلما فرغ من الصلاة قال : أين السائل ؟ فأجابه . أخرجاه . وإن كان السائل به ضرورة ناجزة فتقدم إجابته ، كما في حديث أبي رفاعة عند مسلم أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب : رجل غريب لا يدري دينه جاء يسأل عن دينه ، فترك خطبته وأتى بكرسي فقعد عليه فجعل يعلمه ، ثم أتى خطبته فأتم آخرها . وكما في حديث سمرة عند أحمد أن أعرابيا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الضب . وكما في الصحيحين في قصة سالم >[1] لما دخل المسجد والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب فقال له : أصليت ركعتين ؟ الحديث ، وسيأتي في الجمعة . وفي حديث أنس : كانت الصلاة تقام فيعرض الرجل فيحدث النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى ربما نعس بعض القوم ، ثم يدخل في الصلاة ، وفي بعض طرقه وقوع ذلك بين الخطبة والصلاة .

قوله : ( فليح ) بصيغة التصغير هو ابن سليمان أبو يحيى المدني ، من طبقة مالك وهو صدوق ، تكلم بعض الأئمة في حفظه ، ولم يخرج البخاري من حديثه في الأحكام إلا ما توبع عليه ، وأخرج له في المواعظ والآداب وما شاكلها طائفة من أفراده وهذا منها . وإنما أورده عاليا عن فليح بواسطة محمد بن سنان فقط ثم أورده نازلا بواسطة محمد بن فليح وإبراهيم بن المنذر عن محمد لأنه أورده في كتاب الرقاق عن محمد بن سنان فقط ، فأراد أن يعيد هنا طريقا أخرى ، ولأجل نزولها قرنها بالرواية الأخرى . وهلال بن علي يقال له هلال بن أبي ميمونة وهلال بن أبي هلال ، فقد يظن ثلاثة وهو واحد ، وهو من صغار التابعين ، وشيخه في هذا الحديث من أوساطهم .

قوله : ( يحدث ) هو خبر المبتدأ وحذف مفعوله الثاني لدلالة السياق عليه . والقوم الرجال . وقد يدخل فيه النساء تبعا .

قوله : ( جاء أعرابي ) لم أقف على تسميته .

قوله : ( فمضى ) أي : استمر يحدثه ، كذا في رواية المستملي والحموي بزيادة هاء ، وليست في رواية الباقين ، وإن ثبتت فالمعنى يحدث القوم الحديث الذي كان فيه وليس الضمير عائدا على الأعرابي .

قوله : ( فقال بعض القوم سمع ما قال ) إنما حصل لهم التردد في ذلك لما ظهر من عدم التفات النبي صلى [ ص: 173 ] الله عليه وسلم إلى سؤاله وإصغائه نحوه ; ولكونه كان يكره السؤال عن هذه المسألة بخصوصها ، وقد تبين عدم انحصار ترك الجواب في الأمرين المذكورين ، بل احتمل كما تقدم أن يكون أخره ليكمل الحديث الذي هو فيه ، أو أخر جوابه ليوحي إليه به .

قوله : ( قال أين أراه السائل ) بالرفع على الحكاية ، وأراه بالضم أي : أظنه ، والشك من محمد بن فليح . ورواه الحسن بن سفيان وغيره عن عثمان بن أبي شيبة عن يونس بن محمد عن فليح ولفظه " أين السائل " ولم يشك .

قوله : ( إذا وسد ) أي : أسند ، وأصله من الوسادة ، وكان من شأن الأمير عندهم إذا جلس أن تثنى تحته وسادة ، فقوله وسد أي : جعل له غير أهله وسادا ، فتكون إلى بمعنى اللام وأتى بها ليدل على تضمين معنى أسند . ولفظ محمد بن سنان في الرقاق " إذا أسند " وكذا رواه يونس بن محمد وغيره عن فليح .

ومناسبة هذا المتن لكتاب العلم أن إسناد الأمر إلى غير أهله إنما يكون عند غلبة الجهل ورفع العلم ، وذلك من جملة الأشراط ومقتضاه أن العلم ما دام قائما ففي الأمر فسحة . وكأن المصنف أشار إلى أن العلم إنما يؤخذ عن الأكابر ، تلميحا لما روي عن أبي أمية الجمحي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال " من أشراط الساعة أن يلتمس العلم عند الأصاغر " وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في الرقاق إن شاء الله تعالى .

التالي السابق


الخدمات العلمية