صفحة جزء
باب المداراة مع الناس ويذكر عن أبي الدرداء إنا لنكشر في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم

5780 حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن ابن المنكدر حدثه عن عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال ائذنوا له فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة فلما دخل ألان له الكلام فقلت له يا رسول الله قلت ما قلت ثم ألنت له في القول فقال أي عائشة إن شر الناس منزلة عند الله من تركه أو ودعه الناس اتقاء فحشه
[ ص: 545 ] قوله : ( باب المداراة مع الناس ) هو بغير همز ، وأصله الهمز لأنه من المدافعة ، والمراد به الدفع برفق . وأشار المصنف بالترجمة إلى ما ورد فيه على غير شرطه واقتصر على إيراد ما يؤدي معناه ، فمما ورد فيه صريحا لجابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : مداراة الناس صدقة أخرجه ابن عدي والطبراني في الأوسط ، وفي سنده يوسف بن محمد بن المنكدر ضعفوه ، وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به ، وأخرجه ابن أبي عاصم في " آداب الحكماء " بسند أحسن منه ، وحديث أبي هريرة رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة الناس أخرجه البزار بسند ضعيف .

قوله : ( ويذكر عن أبي الدرداء : إنا لنكشر ) بالكاف الساكنة وكسر المعجمة .

قوله : ( في وجوه أقوام وإن قلوبنا لتلعنهم ) كذا للأكثر بالعين المهملة واللام الساكنة والنون ، وللكشميهني بالقاف الساكنة قيل اللام المكسورة ثم تحتانية ساكنة من القلا بكسر القاف مقصور وهو البغض ، وبهذه الرواية جزم ابن التين ، ومثله في تفسير المزمل من " الكشاف " . وهذا الأثر وصله ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي في " غريب الحديث " والدينوري في " المجالسة " من طريق أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء فذكر مثله وزاد " ونضحك إليهم " وذكره بلفظ اللعن ولم يذكر الدينوري في إسناده جبير بن نفير ، ورويناه في " فوائد أبي بكر بن المقري " من طريق كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي الدرداء قال : " إنا لنكشر أقواما " فذكر مثله وهو منقطع ، وأخرجه أبو نعيم في " الحلية " من طريق خلف بن حوشب قال : قال أبو الدرداء فذكر اللفظ المعلق سواء ، وهو منقطع أيضا والكشر بالشين المعجمة وفتح أوله ظهور الأسنان ، وأكثر ما يطلق عند الضحك ، والاسم الكشرة كالعشرة قال ابن بطال : المداراة من أخلاق المؤمنين ، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة . وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فغلط ; لأن المدارة مندوب إليها والمداهنة محرمة ، والفرق أن المداهنة من الدهان وهو الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه ، وفسرها العلماء بأنه معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه ، والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم وبالفاسق في النهي عن فعله ، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ، ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك .

حديث عائشة " استأذن على النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل فقال : ائذنوا له فبئس ابن العشيرة " وقد تقدم بيان موضع شرحه في " باب ما يجوز من اغتياب أهل الفساد " ، والنكتة في إيراده هنا التلميح إلى ما وقع في بعض الطرق بلفظ المداراة . وهو عند الحارث بن أبي أسامة من حديث صفوان بن عسال نحو حديث عائشة وفيه : " فقال : إنه منافق أداريه عن نفاقه ، وأخشى أن يفسد علي غيره " .

التالي السابق


الخدمات العلمية