صفحة جزء
باب السلام اسم من أسماء الله تعالى وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها

5876 حدثنا عمر بن حفص حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال حدثني شقيق عن عبد الله قال كنا إذا صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم قلنا السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان وفلان فلما انصرف النبي صلى الله عليه وسلم أقبل علينا بوجهه فقال إن الله هو السلام فإذا جلس أحدكم في الصلاة فليقل التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإنه إذا قال ذلك أصاب كل عبد صالح في السماء والأرض أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ثم يتخير بعد من الكلام ما شاء
[ ص: 15 ] قوله باب السلام اسم من أسماء الله تعالى ) : هذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع له طرق ليس منها شيء على شرط المصنف في الصحيح فاستعمله في الترجمة وأورد ما يؤدي معناه على شرطه وهو حديث التشهد لقوله فيه " فإن الله هو السلام " وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله السلام المؤمن المهيمن ؛ ومعنى السلام السالم من النقائص وقيل المسلم لعباده وقيل المسلم على أوليائه وأما لفظ الترجمة فأخرجه في " الأدب المفرد " من حديث أنس بسند حسن وزاد " وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم " .

وأخرجه البزار والطبراني من حديث ابن مسعود موقوفا ومرفوعا وطريق الموقوف أقوى وأخرجه البيهقي في " الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعا بسند ضعيف وألفاظهم سواء وأخرج البيهقي في " الشعب عن ابن عباس موقوفا السلام اسم الله وهو تحية أهل الجنة ، وشاهده حديث المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليه حتى توضأ ، وقال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر " ، أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره ويحتمل أن يكون أراد ما في رد السلام من ذكر اسم الله صريحا في قوله ورحمة الله .

وقد اختلف في معنى السلام فنقل عياض أن معناه اسم الله ؛ أي كلاءة الله عليك وحفظه كما يقال الله معك ومصاحبك وقيل معناه إن الله مطلع عليك فيما تفعل وقيل معناه إن اسم الله يذكر على الأعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها وقيل معناه : السلامة كما قال - تعالى - : فسلام لك من أصحاب اليمين ؛ وكما قال الشاعر

تحيي بالسلامة أم عمرو وهل لي بعد قومي من سلام

فكأن المسلم أعلم من سلم عليه أنه سالم منه وأن لا خوف عليه منه .

وقال ابن دقيق العيد في " شرح الإلمام " السلام يطلق بإزاء معان منها السلامة ومنها التحية ومنها أنه اسم من أسماء الله قال وقد يأتي بمعنى التحية محضا وقد يأتي بمعنى السلامة محضا وقد يأتي مترددا بين المعنيين كقوله - تعالى - : ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ؛ فإنه يحتمل التحية والسلامة وقوله - تعالى - : ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم .

قوله : وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها لم يقع في رواية أبي ذر : أو ردوها ؛ ومناسبة ذكر هذه الآية في هذه الترجمة للإشارة إلى أن عموم الأمر بالتحية مخصوص بلفظ السلام كما دلت عليه الأحاديث المشار إليها في الباب الأول واتفق العلماء على ذلك إلا ما حكاه ابن التين ، عن ابن خويز منداد عن مالك : أن المراد بالتحية في الآية الهدية لكن حكى القرطبي عن ابن خويز منداد أنه ذكره احتمالا وادعى أنه قول الحنفية فإنهم احتجوا بذلك بأن السلام لا يمكن رده بعينه بخلاف الهدية فإن الذي يهدى له إن أمكنه أن يهدي أحسن منها فعل وإلا ردها بعينها .

وتعقب بأن المراد بالرد رد المثل لا رد العين وذلك سائغ كثير ونقل القرطبي [ ص: 16 ] أيضا عن ابن القاسم وابن وهب عن مالك أن المراد بالتحية في الآية تشميت العاطس والرد على المشمت ، قال وليس في السياق دلالة على ذلك ولكن حكم التشميت والرد مأخوذ من حكم السلام والرد عند الجمهور ولعل هذا هو الذي نحا إليه مالك .

9304 ثم ذكر حديث ابن مسعود في التشهد وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصلاة والغرض منه قوله فيه " إن الله هو السلام " وهو مطابق لما ترجم له واتفقوا على أن من سلم لم يجزئ في جوابه إلا السلام ولا يجزئ في جوابه صبحت بالخير أو بالسعادة ونحو ذلك .

واختلف فيمن أتى في التحية بغير لفظ السلام هل يجب جوابه أم لا ؟ وأقل ما يحصل به وجوب الرد أن يسمع المبتدئ وحينئذ يستحق الجواب ولا يكفي الرد بالإشارة بل ورد الزجر عنه ؛ وذلك فيما أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود الإشارة بالإصبع وتسليم النصارى بالأكف قال الترمذي : غريب " قلت وفي سنده ضعف لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرءوس والأكف والإشارة قال النووي : لا يرد على هذا حديث أسماء بنت يزيد : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم ؛ فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ فسلم علينا انتهى .

والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربي هل يستحق الجواب فيه ثلاثة أقوال للعلماء ثالثها يجب لمن يحسن بالعربية .



وقال ابن دقيق العيد : الذي يظهر أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحب وليس بمكروه إلا إن قصد به العدول عن السلام إلى ما هو أظهر في التعظيم من أجل أكابر أهل الدنيا ويجب الرد على الفور فلو أخر ثم استدرك فرد لم يعد جوابا قاله القاضي حسين وجماعة وكأن محله إذا لم يكن عذر ويجب رد جواب السلام في الكتاب ومع الرسول ولو سلم الصبي على بالغ وجب عليه الرد ولو سلم على جماعة فيهم صبي فأجاب أجزأ عنهم في وجه

التالي السابق


الخدمات العلمية