صفحة جزء
باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم وقال سعد قال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده وقال أبو قتادة قال أبو بكر عند النبي صلى الله عليه وسلم لاها الله إذا يقال والله وبالله وتالله

6253 حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر قال كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم لا ومقلب القلوب
" 9876 [ ص: 532 ] [ ص: 533 ] [ ص: 534 ] قوله باب كيف كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - أي التي كان يواظب على القسم بها أو يكثر وجملة ما ذكر في الباب أربعة ألفاظ أحدها والذي نفسي بيده وكذا نفس محمد بيده فبعضها مصدر بلفظ لا وبعضها بلفظ أما وبعضها بلفظ ايم ثانيها لا ومقلب القلوب ثالثها والله رابعها ورب الكعبة وأما قوله " لاها الله إذا " فيؤخذ منه مشروعيته من تقريره لا من لفظه والأول أكثرها ورودا وفي سياق الثاني إشعار بكثرته أيضا وقد وقع في حديث رفاعة بن عرابة عند ابن ماجه والطبراني " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا حلف قال والذي نفسي بيده " ولابن أبي شيبة من طريق عاصم بن شميخ عن أبي سعيد " كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتهد في اليمين قال لا والذي نفس أبي القاسم بيده " ولابن ماجه من وجه آخر في هذا الحديث " كانت يمين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التي يحلف بها أشهد عند الله والذي نفسي بيده " ودل ما سوى الثالث من الأربعة على أن النهي عن الحلف بغير الله لا يراد به اختصاص لفظ الجلالة بذلك بل يتناول كل اسم وصفة تختص به سبحانه وتعالى وقد جزم ابن حزم وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية بأن جميع الأسماء الواردة في القرآن والسنة الصحيحة وكذا الصفات صريح في اليمين تنعقد به وتجب لمخالفته الكفارة وهو وجه غريب عند الشافعية وعندهم وجه أغرب منه أنه ليس في شيء من ذلك صريح إلا لفظ الجلالة وأحاديث الباب ترده والمشهور عندهم وعند الحنابلة أنها ثلاثة أقسام : أحدها ما يختص به كالرحمن ورب العالمين وخالق الخلق فهو صريح تنعقد به اليمين سواء قصد الله أو أطلق . ثانيها ما يطلق عليه وقد يقال لغيره لكن بقيد كالرب والحق فتنعقد به اليمين إلا إن قصد به غير الله ثالثها ما يطلق على السواء كالحي والموجود والمؤمن فإن نوى غير الله أو أطلق فليس بيمين وإن نوى به الله انعقد على الصحيح وإذا تقرر هذا فمثل " والذي نفسي بيده " ينصرف عند الإطلاق لله جزما فإن نوى به غيره كملك الموت مثلا لم يخرج عن الصراحة على الصحيح وفيه وجه عن بعض الشافعية وغيرهم ويلتحق به " والذي فلق الحبة ومقلب القلوب " وأما مثل " والذي أعبده أو أسجد له أو أصلي له " فصريح جزما وجملة الأحاديث المذكورة في هذا الباب عشرون حديثا

الحديث الأول قوله وقال سعد هو ابن أبي وقاص وقد مضى الحديث المشار إليه في مناقب عمر في حديث أوله " استأذن عمر على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعنده نسوة " الحديث وفيه إيها يا ابن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك وقد مضى شرحه مستوفى هناك

الحديث الثاني : قوله وقال أبو قتادة قال أبو بكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - لاها الله إذا وهو طرف من حديث موصول في غزوة حنين وقد بسطت الكلام على هذه الكلمة هناك [ ص: 535 ] قوله يقال والله وبالله وتالله يعني أن هذه الثلاثة حروف القسم ، ففي القرآن القسم بالواو وبالموحدة في عدة أشياء وبالمثناة في قوله تالله لقد آثرك الله علينا و تالله لأكيدن أصنامكم وغير ذلك وهذا قول الجمهور وهو المشهور عن الشافعي ونقل قول عن الشافعي أن القسم بالمثناة ليس صريحا ; لأن أكثر الناس لا يعرفون معناها والأيمان مختصة بالعرف وتأول ذلك أصحابه وأجابوا عنه بأجوبة نعم تفترق الثلاثة بأن الأولين يدخلان على اسم الله وغيره من أسمائه ولا تدخل المثناة إلا على الله وحده وكأن المصنف أشار بإيراد هذا الكلام هنا عقب حديث أبي قتادة إلى أن أصل " لاها الله لا والله " فالهاء عوض عن الواو وقد صرح بذلك جمع من أهل اللغة وقيل الهاء نفسها أيضا حرف قسم بالأصالة ونقل الماوردي أن أصل أحرف القسم الواو ثم الموحدة ثم المثناة ونقل ابن الصباغ عن أهل اللغة أن الموحدة هي الأصل وأن الواو بدل منها وأن المثناة بدل من الواو وقواه ابن الرفعة واستدل بأن الباء تعمل في الضمير بخلاف الواو

9877 الحديث الثالث قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري وقد أخرج البخاري عن محمد بن يوسف وهو البيكندي عن سفيان وهو ابن عيينة وليس هو المراد هنا وقد أخرج أبو نعيم في المستخرج هذا الحديث من طريق محمد بن يوسف الفريابي حدثنا سفيان وهو الثوري وأخرجه الإسماعيلي وابن ماجه من رواية وكيع والنسائي من رواية محمد بن بشر كلاهما عن سفيان الثوري أيضا

قوله كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم - ) زاد الإسماعيلي من رواية وكيع " التي يحلف عليها " وفي أخرى له " يحلف بها "

قوله لا ومقلب القلوب تقدم في أواخر كتاب القدر من رواية ابن المبارك عن موسى بن عقبة بلفظ " كثيرا ما كان " ويأتي في التوحيد من طريقه بلفظ " أكثر ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يحلف " فذكره

وأخرجه ابن ماجه من وجه آخر عن الزهري بلفظ كان أكثر أيمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " لا ومصرف القلوب " وقوله : لا " نفي للكلام السابق " ومقلب القلوب " هو المقسم به والمراد بتقليب القلوب تقليب أعراضها وأحوالها لا تقليب ذات القلب وفي الحديث دلالة على أن أعمال القلب من الإرادات والدواعي وسائر الأعراض بخلق الله - تعالى - ، وفيه جواز تسمية الله - تعالى - بما ثبت من صفاته على الوجه الذي يليق به . وفي هذا الحديث حجة لمن أوجب الكفارة على من حلف بصفة من صفات الله فحنث ولا نزاع في أصل ذلك وإنما الخلاف في أي صفة تنعقد بها اليمين والتحقيق أنها مختصة بالتي لا يشاركه فيها غيره كمقلب القلوب قال القاضي أبو بكر بن العربي : في الحديث جواز الحلف بأفعال الله إذا وصف بها ولم يذكر اسمه ، قال وفرق الحنفية بين القدرة والعلم فقالوا إن حلف بقدرة الله انعقدت يمينه وإن حلف بعلم الله لم تنعقد ; لأن العلم يعبر به عن المعلوم كقوله - تعالى - قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا . والجواب أنه هنا مجاز إن سلم أن المراد به المعلوم والكلام إنما هو في الحقيقة قال الراغب : تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي والتقلب التصرف قال - تعالى - أو يأخذهم في تقلبهم قال وسمي قلب الإنسان لكثرة تقلبه ويعبر بالقلب عن المعاني التي يختص بها من الروح والعلم والشجاعة ومن قوله وبلغت القلوب الحناجر أي الأرواح وقوله لمن كان له قلب أي علم وفهم وقوله ولتطمئن به قلوبكم أي تثبت به شجاعتكم وقال القاضي أبو بكر بن العربي : القلب جزء من البدن خلقه الله وجعله للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة وجعل ظاهر البدن محل التصرفات الفعلية والقولية ووكل بها ملكا يأمر بالخير وشيطانا يأمر بالشر [ ص: 536 ] فالعقل بنوره يهديه والهوى بظلمته يغويه والقضاء والقدر مسيطر على الكل والقلب ينقلب بين الخواطر الحسنة والسيئة واللمة من الملك تارة ومن الشيطان أخرى والمحفوظ من حفظه الله - تعالى -

التالي السابق


الخدمات العلمية