صفحة جزء
6976 حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يد الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار وقال أرأيتم ما أنفق منذ خلق السموات والأرض فإنه لم يغض ما في يده وقال عرشه على الماء وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع
الحديث الثاني : حديث أبي هريرة من طريق أبي الزناد عن الأعرج .

قوله : يد الله ) تقدم في تفسير سورة هود في أول هذا الحديث من الزيادة " أنفق أنفق عليك " ووقعت هذه الزيادة أيضا في رواية همام لكن ساقها فيه مسلم وأفردها البخاري كما سيأتي في باب يريدون أن يبدلوا كلام الله ووقع فيها بدل يد الله " يمين الله " ويتعقب بها على من فسر اليد هنا بالنعمة ، وأبعد منه من فسرها بالخزائن وقال أطلق اليد على الخزائن لتصرفها فيها .

قوله : ملأى ) بفتح الميم وسكون اللام وهمزة مع القصر تأنيث ملآن ووقع بلفظ " ملآن " في رواية لمسلم وقيل هي غلط ووجهها بعضهم بإرادة اليمين فإنها تذكر وتؤنث ، وكذلك الكف ، والمراد من قوله ملأى أو ملآن لازمه وهو أنه في غاية الغنى وعنده من الرزق ما لا نهاية له في علم الخلائق .

قوله : لا يغيضها ) بالمعجمتين بفتح أوله أي لا ينقصها ، يقال غاض الماء يغيض إذا نقص .

قوله ( سحاء ) بفتح المهملتين مثقل ممدود أي دائمة الصب ، يقال سح بفتح أوله مثقل يسح بكسر السين في المضارع ويجوز ضمها ، وضبط في مسلم " سحا " بلفظ المصدر .

قوله : الليل والنهار ) بالنصب على الظرف أي فيهما ويجوز الرفع ، ووقع في رواية لمسلم " سح الليل والنهار " بالإضافة وفتح الحاء ويجوز ضمها .

قوله : أرأيتم ما أنفق ) تنبيه على وضوح ذلك لمن له بصيرة .

قوله ( منذ خلق الله السماوات والأرض ) سقط لفظ الجلالة لغير أبي ذر وهو رواية همام .

قوله : فإنه لم يغض ) أي ينقص ، ووقع في رواية همام " لم ينقص ما في يمينه " قال الطيبي يجوز أن تكون ملأى ولا يغيضها " وسحاء وأرأيت " أخبارا مترادفة ليد الله ، ويجوز أن تكون الثلاثة أوصافا لملأى ويجوز أن يكون " أرأيتم " استئنافا فيه معنى الترقي ، كأنه لما قيل ملأى أوهم جواز النقصان فأزيل بقوله لا يغيضها شيء ، وقد يمتلئ الشيء ولا يغيض ، فقيل سحاء إشارة إلى الغيض وقرنه بما يدل على الاستمرار من ذكر الليل والنهار ثم أتبعه بما يدل على أن ذلك ظاهر غير خاف على ذي بصر وبصيرة بعد أن اشتمل من ذكر الليل والنهار بقوله أرأيتم على تطاول المدة ؛ لأنه خطاب عام والهمزة فيه للتقرير ، قال وهذا الكلام إذا أخذته بجملته من غير نظر إلى مفرداته أبان زيادة الغنى وكمال السعة والنهاية في الجود والبسط في العطاء .

[ ص: 407 ] قوله : وقال عرشه على الماء ) سقط لفظ " قال " من رواية همام ، ومناسبة ذكر العرش هنا أن السامع يتطلع من قوله " خلق السماوات والأرض " ما كان قبل ذلك ، فذكر ما يدل على أن عرشه قبل خلق السموات والأرض على الماء كما وقع في حديث عمران بن حصين الماضي في بدء الخلق بلفظ كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء ثم خلق السماوات والأرض .

قوله ( وبيده الأخرى الميزان يخفض ويرفع ) أي يخفض الميزان ويرفعها ، قال الخطابي : الميزان مثل ، والمراد القسمة بين الخلق ، وإليه الإشارة بقوله يخفض ويرفع ، وقال الداودي : معنى الميزان أنه قدر الأشياء ووقتها وحددها فلا يملك أحد نفعا ولا ضرا إلا منه وبه ، ووقع في رواية همام " وبيده الأخرى الفيض أو القبض " الأولى بفاء وتحتانية والثانية بقاف وموحدة ، كذا للبخاري بالشك ولمسلم بالقاف والموحدة بلا شك ، وعن بعض رواته فيما حكاه عياض بالفاء والتحتانية والأول أشهر ، قال عياض : المراد بالقبض قبض الأرواح بالموت ، وبالفيض الإحسان بالعطاء وقد يكون بمعنى الموت ، يقال : فاضت نفسه إذا مات ، ويقال بالضاد وبالظاء ا هـ ، والأولى أن يفسر بمعنى الميزان ليوافق رواية الأعرج التي في هذا الباب فإن الذي يوزن بالميزان يخف ويرجح ، فكذلك ما يقبض ، ويحتمل أن يكون المراد بالقبض المنع ؛ لأن الإعطاء قد ذكر في قوله قبل ذلك سحاء الليل والنهار ، فيكون مثل قوله تعالى والله يقبض ويبسط ووقع في حديث النواس بن سمعان عند مسلم وسيأتي التنبيه عليه في أواخر الباب الميزان بيد الرحمن يرفع أقواما ويضع آخرين وفي حديث أبي موسى عند مسلم وابن حبان إن الله لا ينام ولا ينبغي أن ينام يخفض القسط ويرفعه وظاهره أن المراد بالقسط الميزان ، وهو مما يؤيد أن الضمير المستتر في قوله يخفض ويرفع للميزان كما بدأت الكلام به ، قال المازري : ذكر القبض والبسط وإن كانت القدرة واحدة لتفهيم العباد أنه يفعل بها المختلفات ، وأشار بقوله " بيده الأخرى " إلى أن عادة المخاطبين تعاطي الأشياء باليدين معا ، فعبر عن قدرته على التصرف بذكر اليدين لتفهيم المعنى المراد بما اعتادوه ، وتعقب بأن لفظ البسط لم يقع في الحديث ، وأجيب بأنه فهمه من مقابله كما تقدم والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية