صفحة جزء
باب ما أدي زكاته فليس بكنز لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمسة أواق صدقة

1339 حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن خالد بن أسلم قال خرجنا مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فقال أعرابي أخبرني عن قول الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله قال ابن عمر رضي الله عنهما من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال
[ ص: 319 ] [ ص: 320 ] قوله : ( باب ما أدي زكاته فليس بكنز ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق صدقة ) قال ابن بطال وغيره : وجه استدلال البخاري بهذا الحديث للترجمة أن الكنز المنفي هو المتوعد عليه الموجب لصاحبه النار ، لا مطلق الكنز الذي هو أعم من ذلك ، وإذا تقرر ذلك فحديث : لا صدقة فيما دون خمس أواق . مفهومه أن ما زاد على الخمس ففيه الصدقة ، ومقتضاه أن كل مال أخرجت منه الصدقة فلا وعيد على صاحبه فلا يسمى ما يفضل بعد إخراجه الصدقة كنزا . وقال ابن رشيد : وجه التمسك به أن ما دون الخمس ، وهو الذي لا تجب فيه الزكاة قد عفي عن الحق فيه ، فليس بكنز قطعا ، والله قد أثنى على فاعل الزكاة ، ومن أثني عليه في واجب حق المال لم يلحقه ذم من جهة ما أثني عليه فيه وهو المال . انتهى . ويتلخص أن يقال : ما لم تجب فيه الصدقة لا يسمى كنزا ، لأنه معفو عنه ، فليكن ما أخرجت منه الزكاة كذلك ، لأنه عفي عنه بإخراج ما وجب منه ، فلا يسمى كنزا . ثم إن لفظ الترجمة لفظ حديث روي مرفوعا وموقوفا عن ابن عمر ، أخرجه مالك ، عن عبد الله بن دينار عنه موقوفا ، وكذا أخرجه الشافعي عنه ، ووصله البيهقي ، والطبراني من طريق الثوري ، عن عبد الله بن دينار ، وقال : إنه ليس بمحفوظ . وأخرجه البيهقي أيضا من رواية عبد الله بن نمير ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر بلفظ : كل ما أديت زكاته وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز ، وكل ما لا تؤدى زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا على وجه الأرض . أورده مرفوعا ، ثم قال : ليس بمحفوظ ، والمشهور وقفه . وهذا يؤيد ما تقدم من أن المراد بالكنز معناه الشرعي . وفي الباب عن جابر أخرجه الحاكم بلفظ : إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره . ورجح أبو زرعة ، والبيهقي وغيرهما وقفه كما عند البزار . وعن أبي هريرة أخرجه الترمذي بلفظ : إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك . وقال : حسن غريب ، وصححه الحاكم ، وهو على شرط ابن حبان . وعن أم سلمة عند الحاكم ، وصححه ابن القطان أيضا ، وأخرجه أبو داود . وقال ابن عبد البر : في سنده مقال . وذكر شيخنا >[1] في " شرح الترمذي " أن سنده جيد . وعن ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة موقوفا بلفظ الترجمة ، وأخرجه أبو داود مرفوعا بلفظ إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب ما بقي من أموالكم وفيه قصة . قال ابن عبد البر : والجمهور على أن الكنز المذموم ما لم تؤد زكاته . ويشهد له حديث أبي هريرة مرفوعا : إذا أديت زكاة مالك فقد قضيت ما عليك فذكر بعض ما تقدم من الطرق ، ثم قال : ولم يخالف في ذلك إلا طائفة من أهل الزهد كأبي ذر ، وسيأتي شرح ما ذهب إليه من ذلك في هذا الباب .

قوله : ( وقال أحمد بن شبيب ) كذا للأكثر ، وفي رواية أبي ذر " حدثنا أحمد " وقد وصله أبو داود في " كتاب الناسخ والمنسوخ " عن محمد بن يحيى ، وهو الذهلي ، عن أحمد بن شبيب بإسناده . ووقع لنا بعلو في جزء الذهلي وسياقه أتم مما في البخاري ، وزاد فيه سؤال الأعرابي : أترث العمة ؟ قال ابن عمر : لا أدري . فلما أدبر قبل ابن عمر يديه >[2] ثم قال : نعم ما قال أبو عبد الرحمن - يعني نفسه - سئل عما لا يدري فقال : [ ص: 321 ] لا أدري . وزاد في آخره - بعد قوله : طهرة للأموال - ثم التفت إلي فقال : ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده أزكيه ، وأعمل فيه بطاعة الله تعالى . وهو عند ابن ماجه من طريق عقيل ، عن الزهري .

قوله : ( من كنزها فلم يؤد زكاتها ) أفرد الضمير ، إما على سبيل تأويل الأموال ، أو عودا إلى الفضة ، لأن الانتفاع بها أكثر ، أو كان وجودها في زمنهم أكثر من الذهب ، أو على الاكتفاء ببيان حالها عن بيان حال الذهب ، والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن حيث قال : ينفقونها . قال صاحب الكشاف : أفرد ذهابا إلى المعنى دون اللفظ ، لأن كل واحد منهما جملة وافية . وقيل : المعنى ولا ينفقونها ، والذهب كذلك ، وهو كقول الشاعر

وإني وقيار بها لغريب

أي وقيار كذلك .

قوله : " إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ) هذا مشعر بأن الوعيد على الاكتناز - وهو حبس ما فضل عن الحاجة عن المواساة به - كان في أول الإسلام ، ثم نسخ ذلك بفرض الزكاة لما فتح الله الفتوح ، وقدرت نصب الزكاة ، فعلى هذا : المراد بنزول الزكاة بيان نصبها ومقاديرها ، لا إنزال أصلها . والله أعلم . وقول ابن عمر : " لا أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا . كأنه يشير إلى قول أبي ذر الآتي آخر الباب . والجمع بين كلام ابن عمر وحديث أبي ذر أن يحمل حديث أبي ذر على مال تحت يد الشخص لغيره فلا يجب أن يحبسه عنه ، أو يكون له لكنه ممن يرجى فضله وتطلب عائدته كالإمام الأعظم فلا يجب أن يدخر عن المحتاجين من رعيته شيئا ، ويحمل حديث ابن عمر على مال يملكه قد أدى زكاته فهو يحب أن يكون عنده ليصل به قرابته ويستغني به عن مسألة الناس ، وكان أبو ذر يحمل الحديث على إطلاقه ، فلا يرى بادخار شيء أصلا . قال ابن عبد البر : وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله ، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك ، وخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم ، وحملوا الوعيد على مانعي الزكاة ، وأصح ما تمسكوا به حديث طلحة وغيره في قصة الأعرابي حيث قال : هل علي غيرها ؟ قال : لا ، إلا أن تطوع " . انتهى . والظاهر أن ذلك كان في أول الأمر كما تقدم عن ابن عمر ، وقد استدل له ابن بطال بقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو ؛ أي ما فضل عن الكفاية ، فكان ذلك واجبا في أول الأمر ثم نسخ . والله أعلم . وفي المسند من طريق يعلى بن شداد بن أوس ، عن أبيه قال : كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه الشدة ، ثم يخرج إلى قومه ، ثم يرخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يسمع الرخصة ، ويتعلق بالأمر الأول .

ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث :

أحدها حديث أبي سعيد في تقدير نصب زكاة الورق وغيره .

التالي السابق


الخدمات العلمية