صفحة جزء
باب لا يستنجى بروث

155 حدثنا أبو نعيم قال حدثنا زهير عن أبي إسحاق قال ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنه سمع عبد الله يقول أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده فأخذت روثة فأتيته بها فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال هذا ركس وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق حدثني عبد الرحمن
قوله : ( باب ) بالتنوين ( لا يستنجى ) بضم أوله .

[ ص: 309 ] قوله : ( زهير ) هو ابن معاوية الجعفي الكوفي ، والإسناد كله كوفيون ، وأبو إسحاق هو السبيعي وهو تابعي وكذا شيخه عبد الرحمن وأبوه الأسود .

قوله : ( ليس أبو عبيدة ) أي : ابن عبد الله بن مسعود .

وقوله : ( ذكره ) أي : لي . ( ولكن عبد الرحمن بن الأسود ) أي هو الذي ذكره لي بدليل قوله في الرواية الآتية المعلقة حدثني عبد الرحمن ، وإنما عدل أبو إسحاق عن الرواية عن أبي عبيدة إلى الرواية عن عبد الرحمن - مع أن رواية أبي عبيدة أعلى له - لكون أبي عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح فتكون منقطعة بخلاف رواية عبد الرحمن فإنها موصولة ، ورواية أبي إسحاق لهذا الحديث عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود عند الترمذي وغيره من طريق إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق ، فمراد أبي إسحاق هنا بقوله " ليس أبو عبيدة ذكره " أي : لست أرويه الآن عن أبي عبيدة وإنما أرويه عن عبد الرحمن .

قوله : ( عن أبيه ) هو الأسود بن يزيد النخعي صاحب ابن مسعود ، وقال ابن التين : هو الأسود بن عبد يغوث الزهري ، وهو غلط فاحش فإن الأسود الزهري لم يسلم فضلا عن أن يعيش حتى يروي عن عبد الله بن مسعود .

قوله : ( أتى الغائط ) أي : الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة .

قوله : ( فلم أجد ) وللكشميهني فلم أجده أي : الحجر الثالث .

قوله : ( بثلاثة أحجار ) فيه العمل بما دل عليه النهي في حديث سلمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ولا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار رواه مسلم ، وأخذ بهذا الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فيزاد حتى ينقى ، ويستحب حينئذ الإيتار لقوله ومن استجمر فليوتر ، وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال ومن لا فلا حرج ، وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب . قال الخطابي : لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة ، فلما اشترط العدد لفظا وعلم الإنقاء فيه معنى دل على إيجاب الأمرين ، ونظيره العدة بالأقراء فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد .

قوله : ( فأخذت روثة ) زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث أنها كانت روثة حمار ، ونقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير .

قوله : ( وألقى الروثة ) استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة قال : لأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا ، كذا قال ، وغفل رحمه الله عما أخرجه أحمد في مسنده من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث فإن فيه فألقى الروثة وقال : إنها ركس ، ائتني بحجر ورجاله ثقات أثبات .

وقد تابع عليه معمرا أبو شعبة الواسطي وهو ضعيف أخرجه الدارقطني ، وتابعهما عمار بن رزيق أحد الثقات عن أبي إسحاق ، وقد قيل : إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي ، وعلى تقدير أن يكون أرسله عنه فالمرسل حجة عند المخالفين وعندنا أيضا إذا اعتضد ، واستدلال الطحاوي فيه نظر بعد ذلك لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول في طلب الثلاثة فلم يجدد الأمر بطلب الثالث ، أو [ ص: 310 ] اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات وذلك حاصل ولو بواحد ، والدليل على صحته أنه لو مسح بطرف واحد ورماه ثم جاء شخص آخر فمسح بطرفه الآخر لأجزأهما بلا خلاف وقال أبو الحسن بن القصار المالكي : روي أنه أتاه بثالث ، لكن لا يصح ، ولو صح فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة فحصل لكل منهما أقل من ثلاثة ، انتهى . وفيه نظر أيضا لأن الزيادة ثابتة كما قدمناه ، وكأنه إنما وقف على الطريق التي عند الدارقطني فقط . ثم يحتمل أن يكون لم يخرج منه شيء إلا من سبيل واحد . وعلى تقدير أن يكون خرج منهما فيحتمل أن يكون اكتفى للقبل بالمسح في الأرض وللدبر بالثلاثة ، أو مسح من كل منهما بطرفين .

وأما استدلالهم على عدم الاشتراط للعدد بالقياس على مسح الرأس ففاسد الاعتبار ; لأنه في مقابلة النص الصريح كما قدمناه من حديث أبي هريرة وسلمان والله أعلم .

قوله : ( هذا ركس ) كذا وقع هنا بكسر الراء وإسكان الكاف فقيل : هي لغة في رجس بالجيم ، ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث فإنها عندهما بالجيم ، وقيل الركس الرجيع رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة ، قاله الخطابي وغيره . والأولى أن يقال رد من حالة الطعام إلى حالة الروث . وقال ابن بطال لم أر هذا الحرف في اللغة ، يعني الركس بالكاف . وتعقبه أبو عبد الملك بأن معناه الرد كما قال تعالى : أركسوا فيها أي ردوا ، فكأنه قال : هذا رد عليك ، انتهى . ولو ثبت ما قال لكان بفتح الراء يقال ركسه ركسا إذا رده ، وفي رواية الترمذي : هذا ركس يعني نجسا ، وهذا يؤيد الأول . وأغرب النسائي فقال عقب هذا الحديث : الركس طعام الجن ، وهذا إن ثبت في اللغة فهو مريح من الإشكال .

قوله : ( وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه ) يعني يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق السبيعي عن أبي إسحاق وهو جده قال : حدثني عبد الرحمن يعني ابن الأسود بن يزيد بالإسناد المذكور أولا ، وأراد البخاري بهذا التعليق الرد على من زعم أن أبا إسحاق دلس هذا الخبر كما حكي ذلك عن سليمان الشاذكوني حيث قال : لم يسمع في التدليس بأخفى من هذا . قال " ليس أبو عبيدة ذكره ولكن عبد الرحمن " ولم يقل ذكره لي ، انتهى .

وقد استدل الإسماعيلي أيضا على صحة سماع أبي إسحاق لهذا الحديث من عبد الرحمن بكون يحيى القطان رواه عن زهير فقال بعد أن أخرجه من طريقه : والقطان لا يرضى أن يأخذ عن زهير ما ليس بسماع لأبي إسحاق ، وكأنه عرف ذلك بالاستقراء من صنيع القطان أو بالتصريح من قوله فانزاحت عن هذه الطريق علة التدليس . وقد أعله قوم بالاضطراب وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي إسحاق في كتاب العلل واستوفيته في مقدمة الشرح الكبير ، لكن رواية زهير هذه ترجحت عند البخاري بمتابعة يوسف حفيد أبي إسحاق وتابعهما شريك القاضي وزكريا بن أبي زائدة وغيرهما ، وتابع أبا إسحاق على روايته عن عبد الرحمن المذكور ليث بن أبي سليم وحديثه يستشهد به أخرجه ابن أبي شيبة . ومما يرجحها أيضا استحضار أبي إسحاق لطريق أبي عبيدة وعدوله عنها بخلاف رواية إسرائيل عنه عن أبي عبيدة فإنه لم يتعرض فيها لرواية عبد الرحمن كما أخرجه الترمذي وغيره ، فلما اختار في رواية زهير طريق عبد الرحمن على طريق أبي عبيدة دل على أنه عارف بالطريقين وأن رواية عبد الرحمن عنده أرجح والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية