صفحة جزء
باب إذا أحصر المعتمر

1712 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة قال إن صددت عن البيت صنعت كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهل بعمرة من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أهل بعمرة عام الحديبية
[ ص: 5 ] قوله : ( باب المحصر وجزاء الصيد ) ثبتت البسملة للجميع ، وذكر أبو ذر " أبوابا " بلفظ الجمع ، وللباقين " باب " بالإفراد .

قوله : ( وقول الله تعالى : فإن أحصرتم ) أي : وتفسير المراد من قوله : فإن أحصرتم وأما قوله : ولا تحلقوا رءوسكم فسيأتي في الباب الذي يليه . وفي اقتصاره على تفسير عطاء إشارة إلى أنه اختار القول بتعميم الإحصار ، وهي مسألة اختلاف بين الصحابة وغيرهم ، فقال كثير منهم : الإحصار من كل حابس حبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك ، حتى أفتى ابن مسعود رجلا لدغ بأنه محصر ، أخرجه ابن جرير بإسناد صحيح عنه . وقال النخعي والكوفيون : الحصر الكسر والمرض والخوف ، واحتجوا بحديث حجاج بن عمرو الذي سنذكره في آخر الباب . وأثر عطاء المشار إليه ، وصله عبد بن حميد ، ، عن أبي نعيم ، عن الثوري ، عن ابن جريج عنه قال في قوله تعالى : فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي قال : الإحصار من كل شيء يحبسه . وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه .

وروى ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه ، ولفظه : "إن أحصرتم ، قال : من أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهده أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما استيسر من الهدي ، فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها ، وإن كانت حجة بعد الفريضة فلا قضاء عليه " . وقال آخرون : لا حصر إلا بالعدو ، وصح ذلك عن ابن عباس ، أخرجه عبد الرزاق ، عن معمر ، وأخرجه الشافعي عن ابن عيينة ، كلاهما عن ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : " لا حصر إلا من حبسه عدو فيحل بعمرة ، وليس عليه حج ولا عمرة " ، وروى مالك في " الموطأ " والشافعي عنه ، عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه قال : " من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت " . وروى مالك ، عن أيوب عن رجل من أهل البصرة قال : " خرجت إلى مكة حتى إذا كنت بالطريق كسرت فخذي ، فأرسلت إلى مكة - وبها عبد الله بن عباس [ ص: 6 ] وعبد الله بن عمر والناس - فلم يرخص لي أحد في أن أحل ، فأقمت على ذلك الماء تسعة أشهر ثم حللت بعمرة " ، وأخرجه ابن جرير من طرق وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير ، وبه قال مالك والشافعي وأحمد . قال : الشافعي : جعل الله على الناس إتمام الحج والعمرة ، وجعل التحلل للمحصر رخصة ، وكانت الآية في شأن منع العدو فلم نعد بالرخصة موضعها .

وفي المسألة قول ثالث حكاه ابن جرير وغيره ، وهو أنه لا حصر بعد النبي ، وروى مالك في " الموطأ " عن ابن شهاب ، عن سالم ، عن أبيه : " المحرم لا يحل حتى يطوف " . أخرجه في " باب ما يفعل من أحصر بغير عدو " ، وأخرج ابن جرير عن عائشة بإسناد صحيح قالت : " لا أعلم المحرم يحل بشيء دون البيت " . وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال : " لا إحصار اليوم " . وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير ، والسبب في اختلافهم في ذلك اختلافهم في تفسير الإحصار ، فالمشهور عن أكثر أهل اللغة - منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت وثعلب وابن قتيبة وغيرهم - أن الإحصار إنما يكون بالمرض ، وأما بالعدو فهو الحصر ، وبهذا قطع النحاس ، وأثبت بعضهم أن أحصر وحصر بمعنى واحد ، يقال في جميع ما يمنع الإنسان من التصرف ، قال تعالى : للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض وإنما كانوا لا يستطيعون من منع العدو إياهم ، وأما الشافعي ومن تابعه فحجتهم في أن لا إحصار إلا بالعدو اتفاق أهل النقل على أن الآيات نزلت في قصة الحديبية حين صد النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيت ، فسمى الله صد العدو إحصارا ، وحجة الآخرين التمسك بعموم قوله تعالى : فإن أحصرتم .

قوله : ( قال : أبو عبد الله : حصورا لا يأتي النساء ) هكذا ثبت هذا التفسير هنا في رواية المستملي خاصة ، ونقله الطبري ، عن سعيد بن جبير وعطاء ومجاهد ، وقد حكاه أبو عبيدة في " المجاز " وقال : إن له معاني أخرى فذكرها ، وهو بمعنى " محصور " ؛ لأنه منع مما يكون من الرجال ، وقد ورد فعول بمعنى مفعول كثيرا ، وكأن البخاري أراد بذكر هذه الآية الإشارة إلى أن المادة واحدة ، والجامع بين معانيها المنع ، والله أعلم .

[ ص: 7 ] قوله : ( باب إذا أحصر المعتمر ) قيل : غرض المصنف بهذه الترجمة الرد على من قال : التحلل بالإحصار خاص بالحاج بخلاف المعتمر ؛ فلا يتحلل بذلك ، بل يستمر على إحرامه حتى يطوف بالبيت ؛ لأن السنة كلها وقت للعمرة ، فلا يخشى فواتها بخلاف الحج ، وهو محكي عن مالك ، واحتج له إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال : خرجت معتمرا ، فوقعت عن راحلتي فانكسرت ، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر فقالا : ليس لها وقت كالحج ، يكون على إحرامه حتى يصل إلى البيت .

قوله : ( إن عبد الله بن عمر حين خرج إلى مكة معتمرا في الفتنة ) هذا السياق يشعر بأنه عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة ، لكن رواية جويرية التي بعده تقتضي أن نافعا حمل ذلك عن سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر عن أبيهما حيث قال فيها : عن جويرية ، عن نافع ، ، أن عبيد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله أخبراه أنهما كلما عبد الله بن عمر ، فذكر القصة والحديث ، هكذا قال : البخاري ، عن عبد الله بن محمد بن أسماء ، ووافقه الحسن بن سفيان وأبو يعلى ، كلاهما عن عبد الله ، أخرجه الإسماعيلي عنهما ، وتابعهم معاذ بن المثنى ، عن عبد الله بن محمد بن أسماء ، أخرجه البيهقي ، لكن في رواية موسى بن إسماعيل عن جويرية عن نافع أن بعض بني عبد الله بن عمر قال له ، فذكر الحديث . وظاهره أنه لنافع عن ابن عمر بغير واسطة ، وقد عقب البخاري رواية عبد الله برواية موسى لينبه على الاختلاف في ذلك ، واقتصر في رواية موسى هنا على الإسناد ، وساقه في المغازي بتمامه . وقد رواه يحيى القطان ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع كذلك ولفظه : " أن عبد الله بن عبد الله وسالم بن عبد الله كلما عبد الله ، فذكر الحديث " . [ ص: 8 ] أخرجه مسلم ، وقد أخرجه البخاري في المغازي عن مسدد ، عن يحيى مختصرا قال : فيه عن نافع عن ابن عمر أنه أهل فذكر بعض الحديث . وفي قوله : عن نافع عن ابن عمر دلالة على أنه لا واسطة بين نافع وابن عمر فيه ، كما هو ظاهر سياق مسلم ، وأخرجه البخاري كما سيأتي بعد باب من طريق عمر بن محمد ، عن نافع مثل سياق يحيى ، عن عبيد الله سواء ، وأخرجه في المغازي من طريق فليح ، وفيما مضى من الحج من طريق أيوب والليث كلهم عن نافع ، وأعرض مسلم عن تخريج طريق جويرية ، ووافق على طريق تخريج الليث وأيوب ، عن عبيد الله بن عمر ، وكذا أخرجه النسائي من طريق أيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية كلهم عن نافع عن ابن عمر بغير واسطة .

والذي يترجح في نقدي أن ابني عبد الله أخبرا نافعا بما كلما به أباهما وأشارا عليه به من التأخير ذلك العام ، وأما بقية القصة فشاهدها نافع وسمعها من ابن عمر لملازمته إياه ، فالمقصود من الحديث موصول ، وعلى تقدير أن يكون نافع لم يسمع شيئا من ذلك من ابن عمر فقد عرف الواسطة بينهما وهي ولدا عبد الله بن عمر : سالم ، وعبد الله . وهما ثقتان لا مطعن فيهما ، ولم أر من نبه على ذلك من شراح البخاري . ووقع في رواية جويرية المذكورة عبيد الله بن عبد الله بالتصغير ، وفي رواية يحيى القطان المذكورة عبد الله بالتكبير ، وكذا في رواية عمر بن محمد ، عن نافع ، قال البيهقي : عبد الله - يعني مكبرا - أصح . قلت : وليس بمستبعد أن يكون كل منهما كلم أباه في ذلك ، ولعل نافعا حضر كلام عبد الله المكبر مع أخيه سالم ولم يحضر كلام عبيد الله المصغر مع أخيه سالم أيضا ، بل أخبراه بذلك ، فقص عن كل ما انتهى إليه علمه .

قوله : ( معتمرا ) في " الموطأ " من هذا الوجه " خرج إلى مكة يريد الحج . فقال : إن صددت " فذكره ، ولا اختلاف ، فإنه خرج أولا يريد الحج فلما ذكروا له أمر الفتنة أحرم بالعمرة ثم قال : ما شأنهما إلا واحدا . فأضاف إليها الحج فصار قارنا .

قوله : ( في الفتنة ) بينه في رواية جويرية فقال : " ليالي نزل الجيش بابن الزبير " . وقد مضى في " باب طواف القارن " من طريق الليث ، عن نافع بلفظ : " حين نزل الحجاج بابن الزبير " . ولمسلم رواية في يحيى القطان المذكورة " حين نزل الحجاج لقتال ابن الزبير " ، وقد تقدم في " باب من اشترى هديه من الطريق " من رواية موسى بن عقبة ، عن نافع " أراد ابن عمر الحج عام حج الحرورية " . وتقدم طريق الجمع بينه وبين رواية الباب .

قوله : ( إن صددت عن البيت ) هذا الكلام قاله جوابا لقول من قال له : إنا نخاف أن يحال بينك وبين البيت ، كما أوضحته الرواية التي بعد هذه .

قوله : ( كما صنعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ) في رواية موسى بن عقبة : " فقال : لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ، إذن أصنع كما صنع " . زاد في رواية الليث ، عن نافع في " باب طواف القارن " : " كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم " ونحوه في رواية أيوب ، عن نافع في " باب طواف القارن " .

قوله : ( فأهل ) يعني : ابن عمر ، والمراد أنه رفع صوته بالإهلال والتلبية ، زاد في رواية جويرية التي بعد هذه : " فقال : خرجنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فحال كفار قريش دون البيت ، فنحر النبي - صلى الله عليه وسلم - هديه وحلق رأسه " .

[ ص: 9 ] قوله : ( من أجل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان أهل بعمرة عام الحديبية ) . قال النووي : معناه أنه أراد إن صددت عن البيت وأحصرت تحللت من العمرة كما تحلل النبي - صلى الله عليه وسلم - من العمرة . وقال : عياض : يحتمل أن المراد أهل بعمرة كما أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعمرة ، ويحتمل أنه أراد الأمرين ، أي : من الإهلال والإحلال ، وهو الأظهر . وتعقبه النووي ، وليس هو بمردود .

قوله : ( بعمرة ) زاد في رواية جويرية : " من ذي الحليفة " وفي رواية أيوب الماضية : " فأهل بالعمرة من الدار " والمراد بالدار المنزل الذي نزله بذي الحليفة ، ويحتمل أن يحمل على الدار التي بالمدينة ، ويجمع بأنه أهل بالعمرة من داخل بيته ، ثم أعلن بها وأظهرها بعد أن استقر بذي الحليفة .

قوله : ( عام الحديبية ) سيأتي بيان ذلك وشرحه في " كتاب المغازي " إن شاء الله تعالى ، وأورده المصنف بعد بابين عن إسماعيل - وهو ابن أبي أويس - عن مالك فزاد فيه : " ثم إن عبد الله بن عمر نظر في أمره فقال : ما أمرهما إلا واحد " أي : الحج والعمرة فيما يتعلق بالإحصار والإحلال ، فالتفت إلى أصحابه فذكر القصة . وبين في رواية جويرية أن ذلك وقع بعد أن سار ساعة ، وهو يؤيد الاحتمال الأول الماضي في أن المراد بالدار المنزل الذي نزلهبذي الحليفة . ووقع في رواية الليث : " أشهدكم أني قد أوجبت عمرة . ثم خرج حتى إذا كان بظاهر البيداء قال : ما شأن الحج والعمرة إلا واحد " . ولو كان إيجابه العمرة من داره التي بالمدينة لكان ما بينها وبين ظاهر البيداء أكثر من ساعة .

التالي السابق


الخدمات العلمية