صفحة جزء
باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان وكان عطاء لا يرى به بأسا أن يتخذ منها الخيوط والحبال وسؤر الكلاب وممرها في المسجد وقال الزهري إذا ولغ في إناء ليس له وضوء غيره يتوضأ به وقال سفيان هذا الفقه بعينه يقول الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا وهذا ماء وفي النفس منه شيء يتوضأ به ويتيمم

168 حدثنا مالك بن إسماعيل قال حدثنا إسرائيل عن عاصم عن ابن سيرين قال قلت لعبيدة عندنا من شعر النبي صلى الله عليه وسلم أصبناه من قبل أنس أو من قبل أهل أنس فقال لأن تكون عندي شعرة منه أحب إلي من الدنيا وما فيها
قوله : ( باب الماء ) أي : حكم الماء " الذي يغسل به شعر الإنسان " . أشار المصنف إلى أن حكمه الطهارة لأن المغتسل قد يقع في ماء غسله من شعره ، فلو كان نجسا لتنجس الماء بملاقاته ، ولم ينقل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجنب ذلك في اغتساله ، بل كان يخلل أصول شعره كما سيأتي ، وذلك يفضي غالبا إلى تناثر بعضه فدل على طهارته ، وهو قول جمهور العلماء ، وكذا قاله الشافعي في القديم ، ونص عليه في الجديد أيضا وصححه جماعة من أصحابه وهي طريقة الخراسانيين ، وصحح جماعة القول بتنجيسه وهي طريقة العراقيين ، واستدل المصنف على طهارته بما ذكره من الحديث المرفوع ، وتعقب بأن شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - مكرم لا يقاس عليه غيره ، ونقضه ابن المنذر والخطابي وغيرهما بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل والأصل عدمه ، قالوا : ويلزم القائل بذلك أن لا يحتج على طهارة المني بأن عائشة كانت تفركه من ثوبه - صلى الله عليه وسلم - لإمكان أن يقال له : منيه طاهر فلا يقاس على غيره ، والحق أن حكمه حكم جميع المكلفين في الأحكام التكليفية إلا فيما خص بدليل ، وقد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته وعد الأئمة ذلك في خصائصه ، فلا يلتفت إلى ما وقع في كتب كثير من الشافعية مما يخالف ذلك فقد استقر الأمر بين أئمتهم على القول بالطهارة وهذا كله في شعر الآدمي .

أما شعر الحيوان غير المأكول المذكى ففيه اختلاف مبني على أن الشعر هل تحله الحياة فينجس بالموت أو لا ؟ فالأصح عند الشافعية أنه ينجس بالموت ، وذهب جمهور العلماء إلى خلافه ، واستدل ابن المنذر على أنه لا تحله الحياة فلا ينجس بالموت ولا بالانفصال بأنهم أجمعوا على طهارة ما يجز من الشاة وهي حية ، وعلى نجاسة ما يقطع من أعضائها وهي حية ، فدل ذلك على التفرقة بين الشعر وغيره من أجزائها ، وعلى التسوية بين حالتي الموت والانفصال والله أعلم .

وقال البغوي في شرح السنة في قوله - صلى الله عليه وسلم - في شاة ميمونة " إنما حرم أكلها " . يستدل به لمن ذهب إلى أن ما عدا ما يؤكل من أجزاء الميتة لا يحرم الانتفاع به ا هـ . وسيأتي الكلام على ريش الميتة وعظمها في باب مفرد من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .

قوله : ( وكان عطاء ) هذا التعليق وصله محمد بن إسحاق الفاكهي في أخبار مكة بسند صحيح إلى عطاء وهو ابن أبي رباح أنه كان لا يرى بأسا بالانتفاع بشعور الناس التي تحلق بمنى .

قوله : ( وسؤر الكلاب ) هو بالجر عطفا على قوله " الماء " والتقدير وباب سؤر الكلاب أي : ما حكمه ؟ [ ص: 328 ] والسؤر البقية . والظاهر من تصرف المصنف أنه يقول بطهارته . وفي بعض النسخ بعد قوله في المسجد " وأكلها " وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل .

قوله : ( وقال الزهري إذا ولغ الكلب ) جمع المصنف في هذا الباب بين مسألتين وهما حكم شعر الآدمي وسؤر الكلب . فذكر الترجمة الأولى وأثرها معها ، ثم ثنى بالثانية وأثرها معها ، ثم رجع إلى دليل الأولى من الحديث المرفوع ، ثم ثنى بأدلة الثانية . وقول الزهري هذا رواه الوليد بن مسلم في مصنفه عن الأوزاعي وغيره عنه ولفظه " سمعت الزهري في إناء ولغ فيه كلب فلم يجدوا ماء غيره ، قال : يتوضأ به " ، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد من طريقه بسند صحيح .

قوله : ( وقال سفيان ) المتبادر إلى الذهن أنه ابن عيينة لكونه معروفا بالرواية عن الزهري دون الثوري ; لكن المراد به هنا الثوري ، فإن الوليد بن مسلم عقب أثر الزهري هذا بقوله : فذكرت ذلك لسفيان الثوري فقال : والله هذا الفقه بعينه . . . فذكره ، وزاد بعد قوله شيء " فأرى أن يتوضأ به ويتيمم " ، فسمى الثوري الأخذ بدلالة العموم فقها ، وهي التي تضمنها قوله تعالى فلم تجدوا ماء لكونها نكرة في سياق النفي فتعم ولا تخص إلا بدليل ، وتنجيس الماء بولوغ الكلب فيه غير متفق عليه بين أهل العلم . وزاد من رأيه التيمم احتياطا . وتعقبه الإسماعيلي بأن اشتراطه جواز التوضؤ به إذا لم يجد غيره يدل على تنجيسه عنده ; لأن الظاهر يجوز التوضؤ به مع وجود غيره . وأجيب بأن المراد أن استعمال غيره مما لم يختلف فيه أولى ، فأما إذا لم يجد غيره فلا يعدل عنه - وهو يعتقد طهارته - إلى التيمم ، وأما فتيا سفيان بالتيمم بعد الوضوء به فلأنه رأى أنه ماء مشكوك فيه من أجل الاختلاف فاحتاط للعبادة ، وقد تعقب بأنه يلزم من استعماله أن يكون جسده طاهرا بلا شك فيصير باستعماله مشكوكا في طهارته ، ولهذا قال بعض الأئمة : الأولى أن يريق ذلك الماء ثم يتيمم ، والله أعلم .

( تنبيه ) : وقع في رواية أبي الحسن القابسي عن أبي زيد المروزي في حكاية قول سفيان : يقول الله تعالى " فإن لم تجدوا ماء " وكذا حكاه أبو نعيم في المستخرج على البخاري ، وفي باقي الروايات فلم تجدوا وهو الموافق للتلاوة . وقال القابسي : وقد ثبت ذلك في الأحكام لإسماعيل القاضي - يعني بإسناده إلى سفيان - قال : وما أعرف من قرأ بذلك . قلت : لعل الثوري حكاه بالمعنى وكان يرى جواز ذلك ، وكأن هذا هو الذي جر المصنف أن يأتي بمثل هذه العبارة في كتاب التيمم كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

[ ص: 329 ] قوله : ( عن عاصم ) هو ابن سليمان ، وابن سيرين هو محمد ، وعبيدة هو ابن عمرو السلماني أحد كبار التابعين المخضرمين أسلم قبل وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - بسنتين ولم يره .

قوله : ( من شعر النبي - صلى الله عليه وسلم - ) قوله : ( أصبناه ) أي : حصل لنا من جهة أنس بن مالك . وأراد المصنف بإيراد هذا الأثر تقرير أن الشعر الذي حصل لأبي طلحة كما في الحديث الذي يليه بقي عند آل بيته إلى أن صار لمواليهم منه لأن سيرين والد محمد كان مولى أنس بن مالك وكان أنس ربيب أبي طلحة .

ووجه الدلالة منه على الترجمة أن الشعر طاهر وإلا لما حفظوه ولا تمنى عبيدة أن يكون عنده شعرة واحدة منه ، وإذا كان طاهرا فالماء الذي يغسل به طاهر .

التالي السابق


الخدمات العلمية