صفحة جزء
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب البيوع وقول الله عز وجل وأحل الله البيع وحرم الربا وقوله إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم باب ما جاء في قول الله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقينوقوله لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم

1942 حدثنا أبو اليمان حدثنا شعيب عن الزهري قال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال إنكم تقولون إن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون ما بال المهاجرين والأنصار لا يحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي هريرة وإن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم صفق بالأسواق وكنت ألزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ملء بطني فأشهد إذا غابوا وأحفظ إذا نسوا وكان يشغل إخوتي من الأنصار عمل أموالهم وكنت امرأ مسكينا من مساكين الصفة أعي حين ينسون وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث يحدثه إنه لن يبسط أحد ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمع إليه ثوبه إلا وعى ما أقول فبسطت نمرة علي حتى إذا قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته جمعتها إلى صدري فما نسيت من مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك من شيء
[ ص: 336 ] قوله : ( بسم الله الرحمن الرحيم " كتاب البيوع " وقول الله تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا وقوله : إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم كذا للأكثر ، ولم يذكر النسفي ولا أبو ذر الآيتين والبيوع جمع بيع ، وجمع لاختلاف أنواعه . والبيع نقل ملك إلى الغير بثمن ، والشراء قبوله ، ويطلق كل منهما على الآخر . وأجمع المسلمون على جواز البيع والحكمة تقتضيه ؛ لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه غالبا ، وصاحبه قد لا يبذله له ، ففي تشريع البيع وسيلة إلى بلوغ الغرض من غير حرج ، والآية الأولى أصل في جواز البيع ، وللعلماء فيها أقوال أصحها أنه عام مخصوص ، فإن اللفظ لفظ عموم يتناول كل بيع فيقتضي إباحة الجميع ، لكن قد منع الشارع بيوعا أخرى وحرمها فهو عام في الإباحة مخصوص بما لا يدل الدليل على منعه . وقيل : عام أريد به الخصوص ، وقيل : مجمل بينته السنة ، وكل هذه الأقوال تقتضي أن المفرد المحلى بالألف واللام يعم . والقول الرابع أن اللام في البيع للعهد ، وأنها نزلت بعد أن أباح الشرع بيوعا وحرم بيوعا فأريد بقوله : وأحل الله البيع أي : الذي أحله الشرع من قبل . ومباحث الشافعي وغيره تدل على أن البيوع الفاسدة تسمى بيعا ، وإن كانت لا يقع بها الحنث لبناء الأيمان على العرف ، والآية الأخرى تدل على إباحة التجارة في البيوع الحالة وأولها في البيوع المؤجلة .

[ ص: 337 ] [ ص: 338 ] قوله : ( باب ما جاء في قول الله - عز وجل - : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله إلى آخر السورة ) كذا لأبي ذر ، وللنسفي " الآيتين " أي إلى آخر الآيتين ، وساق في رواية كريمة الآيتين بتمامهما .

قوله : ( وقوله : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) والآية الأولى يؤخذ منها مشروعية البيع من طريق عموم ابتغاء الفضل ؛ لأنه يشمل التجارة وأنواع التكسب ، واختلف في الأمر المذكور ، فالأكثر على أنه للإباحة ، ونكتتها مخالفة أهل الكتاب في منع ذلك يوم السبت فلم يحظر ذلك على المسلمين ، وقال الداودي الشارح : هو على الإباحة لمن له كفاف ولمن لا يطيق التكسب ، وعلى الوجوب للقادر الذي لا شيء عنده لئلا يحتاج إلى السؤال وهو محرم عليه مع القدرة على التكسب ، وسيأتي بقية تفسير الآيتين في تفسير الجمعة . وأغرب بعض الشراح فقال : إن الآيات المذكورة ظاهرة في إباحة التجارة إلا الأخيرة فهي إلى النهي عنها أقرب ، يعني قوله : وإذا رأوا تجارة أو لهوا إلخ ، ثم أجاب بأن التجارة المذكورة مقيدة بالصفة المذكورة ، فمن ثم أشير إلى ذمها ، فلو خلت عن المعارض لم تذم . والذي يظهر أن مراد البخاري بهذه الترجمة قوله : وابتغوا من فضل الله وأما ذكر التجارة فيها فقد أفرده بترجمة تأتي بعد ثمانية أبواب ، والآية الثانية فيها تقييد التجارة المباحة بالتراضي . وقوله : أموالكم أي : مال كل إنسان لا يصرفه في محرم ، أو المعنى : لا يأخذ بعضكم مال بعض . وقوله : إلا أن تكون الاستثناء منقطع اتفاقا والتقدير لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ، لكن إن حصلت بينكم تجارة وتراضيتم بها فليس بباطل . وروى أبو داود من حديث أبي سعيد مرفوعا : إنما البيع عن تراض وهو طرف من حديث طويل ، وروى الطبري من مرسل أبي قلابة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتفرق بيعان إلا عن رضا ورجاله ثقات ، ومن طريق أبي زرعة بن عمرو أنه كان إذا بايع رجلا يقول له : خيرني . ثم يقول : قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا يفترق اثنان - يعني في البيع - إلا عن رضا وأخرجه أبو داود أيضا ، وسيأتي الكلام في الخيار قريبا إن شاء الله تعالى . ومن طريق سعيد عن قتادة أنه تلا هذه الآية فقال : التجارة رزق من رزق الله لمن طلبها بصدقها . ثم ذكر البخاري في الباب أربعة أحاديث : الأول حديث أبي هريرة .

[ ص: 339 ] قوله : ( أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة ) كذا في رواية شعيب ، وقد تقدم في أواخر كتاب العلم من طريق مالك عن الزهري فقال : " عن الأعرج " وهو صحيح عن الزهري عن كل منهم ، وطريقه عن الأعرج مختصرة ، وسيأتي في الاعتصام من طريق سفيان عن الزهري أتم منه ، وقد تقدمت مباحث الحديث هناك . والمقصود منه قول أبي هريرة : " إن إخوتي من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق " والصفق بفتح المهملة - ووقع في رواية القابسي بالسين وسكون الفاء بعدها قاف - والمراد به التبايع ، وسميت البيعة صفقة لأنهم اعتادوا عند لزوم البيع ضرب كف أحدهما بكف الآخر إشارة إلى أن الأملاك تضاف إلى الأيدي ، فكأن يد كل واحد استقرت على ما صار له . ووجه الدلالة منه وقوع ذلك في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - واطلاعه عليه وتقريره له .

قوله : ( على ملء بطني ) أي : مقتنعا بالقوت أي : فلم تكن له غيبة عنه .

قوله : ( نمرة ) بفتح النون وكسر الميم أي : كساء ملونا . وقال ثعلب : هي ثوب مخطط ، وقال القزاز : دراعة تلبس فيها سواد وبياض . وقد تقدمت بقية مباحثه في أواخر كتاب العلم ؛ لأنه ساق هذا الكلام الأخير هناك من وجه آخر عن أبي هريرة ، ويأتي شيء من ذلك في كتاب الاعتصام .

التالي السابق


الخدمات العلمية