صفحة جزء
باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها وقال الليث عن أبي الزناد كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري من بني حارثة أنه حدثه عن زيد بن ثابت رضي الله عنه قال كان الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبايعون الثمار فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم قال المبتاع إنه أصاب الثمر الدمان أصابه مراض أصابه قشام عاهات يحتجون بها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كثرت عنده الخصومة في ذلك فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر كالمشورة يشير بها لكثرة خصومتهم وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت أن زيد بن ثابت لم يكن يبيع ثمار أرضه حتى تطلع الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر قال أبو عبد الله رواه علي بن بحر حدثنا حكام حدثنا عنبسة عن زكرياء عن أبي الزناد عن عروة عن سهل عن زيد

2082 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع
[ ص: 461 ] قوله : ( باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ) يبدو بغير همز أي : يظهر ، والثمار بالمثلثة جمع ثمرة بالتحريك وهي أعم من الرطب وغيره ، ولم يجزم بحكم في المسألة لقوة الخلاف فيها ، وقد اختلف في ذلك على أقوال : فقيل : يبطل مطلقا وهو قول ابن أبي ليلى والثوري ، ووهم من نقل الإجماع على البطلان . وقيل : يجوز مطلقا ولو شرط التبقية وهو قول يزيد بن أبي حبيب ، ووهم من نقل الإجماع فيه أيضا . وقيل : إن شرط القطع لم يبطل وإلا بطل وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور ورواية عن مالك . وقيل : يصح إن لم يشترط التبقية والنهي فيه محمول على بيع الثمار قبل أن توجد أصلا وهو قول أكثر الحنفية . وقيل : هو على ظاهره لكن النهي فيه للتنزيه ، وحديث زيد بن ثابت المصدر به الباب يدل للأخير ، وقد يحمل على الثاني . وذكر المصنف في الباب أربعة أحاديث : الأول حديث زيد بن ثابت .

قوله : ( وقال الليث عن أبي الزناد . . . إلخ ) لم أره موصولا من طريق الليث ، وقد رواه سعيد بن منصور عن أبي الزناد عن أبيه نحو حديث الليث ولكن بالإسناد الثاني دون الأول ، وأخرجه أبو داود والطحاوي من طريق يونس بن يزيد عن أبي الزناد بالإسناد الأول دون الثاني ، وأخرجه البيهقي من طريق يونس بالإسنادين معا .

قوله : ( من بني حارثة ) بالمهملة والمثلثة . وفي هذا الإسناد رواية تابعي عن مثله عن صحابي عن مثله ، والأربعة مدنيون .

قوله : ( فإذا جذ الناس ) بالجيم والذال المعجمة الثقيلة أي : قطعوا ثمر النخل ، أي : استحق الثمر القطع . وفي رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي " أجذ " بزيادة ألف ومثله النسفي ، قال ابن التين : معناه دخلوا في زمن الجذاذ كأظلم إذا دخل في الظلام ، والجذاذ صرام النخل ، وهو قطع ثمرتها وأخذها من الشجر .

قوله : ( وحضر تقاضيهم ) بالضاد المعجمة .

قوله : ( قال المبتاع ) أي : المشتري .

قوله : ( الدمان ) بفتح المهملة وتخفيف الميم ضبطه أبو عبيد ، وضبطه الخطابي بضم أوله ، قال عياض : هما صحيحان والضم رواية القابسي والفتح رواية السرخسي ، قال : ورواها بعضهم بالكسر . وذكره أبو عبيد عن أبي الزناد بلفظ الأدمان زاد في أوله الألف وفتحها وفتح الدال ، وفسره أبو عبيد بأنه فساد الطلع وتعفنه وسواده . وقال الأصمعي الدمال باللام : العفن . وقال القزاز الدمان : فساد النخل قبل إدراكه ، وإنما يقع ذلك في الطلع يخرج قلب النخلة أسود معفونا . ووقع في رواية يونس الدمار بالراء بدل النون وهو تصحيف كما قاله عياض ، ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك كأنه قرأه بفتح أوله .

قوله : ( أصابه مرض ) في رواية الكشميهني والنسفي " مراض " بكسر أوله للأكثر ، وقال الخطابي بضمه وهو اسم لجميع الأمراض بوزن الصداع والسعال ، وهو داء يقع في الثمرة فتهلك يقال : أمرض إذا وقع في ماله عاهة ، وزاد الطحاوي في رواية " أصابه عفن " وهو بالمهملة والفاء المفتوحتين .

قوله : ( قشام ) بضم القاف بعدها معجمة خفيفة زاد الطحاوي في روايته " والقشام شيء يصيبه حتى لا يرطب " وقال الأصمعي : هو أن ينتقض ثمر النخل قبل أن يصير بلحا ، وقيل : هو أكال يقع في الثمر .

[ ص: 462 ] قوله : ( عاهات ) جمع عاهة وهو بدل من المذكورات أولا ، والعاهة العيب والآفة ، والمراد بها هنا ما يصيب الثمر مما ذكر .

قوله : ( فإما لا ) أصلها إن الشرطية وما زائدة فأدغمت ، قال ابن الأنباري : هي مثل قوله : فإما ترين من البشر أحدا فاكتفى بلفظه عن الفعل ، وهو نظير قولهم : من أكرمني أكرمته ومن لا ، أي : ومن لم يكرمني لم أكرمه ، والمعنى إن لا تفعل كذا فافعل كذا ، وقد نطقت العرب بإمالة " لا " إمالة خفيفة ، والعامة تشبع إمالتها وهو خطأ .

قوله : ( كالمشورة ) بضم المعجمة وسكون الواو ، وسكون المعجمة وفتح الواو لغتان ، فعلى الأول فهي فعولة وعلى الثاني مفعلة . وزعم الحريري أن الإسكان من لحن العامة ، وليس كذلك فقد أثبتها " الجامع " و " الصحاح " و " المحكم " وغيرهم .

قوله : ( وأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت ) القائل هو أبو الزناد .

قوله : ( حتى تطلع الثريا ) أي : مع الفجر ، وقد روى أبو داود من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا قال : " إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد " وفي رواية أبى حنيفة عن عطاء : " رفعت العاهة عن الثمار " والنجم هو الثريا ، وطلوعها صباحا يقع في أول فصل الصيف وذلك عند اشتداد الحر في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار; فالمعتبر في الحقيقة النضج وطلوع النجم علامة له ، وقد بينه في الحديث بقوله : " ويتبين الأصفر من الأحمر " وروى أحمد من طريق عثمان بن عبد الله بن سراقة : " سألت ابن عمر عن بيع الثمار فقال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة . قلت : ومتى ذلك؟ قال : حتى تطلع الثريا " ووقع في رواية ابن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة عن أبيه : " قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ونحن نتبايع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ، فسمع خصومة فقال : ما هذا " ؟ فذكر الحديث ، فأفاد مع ذكر السبب وقت صدور النهي المذكور .

قوله : ( ورواه علي بن بحر ) هو القطان الرازي أحد شيوخ البخاري ، وحكام هو ابن سلم بفتح المهملة وسكون اللام رازي أيضا ، وعنبسة بسكون النون وفتح الموحدة بعدها مهملة هو ابن سعيد بن الضريس بالضاد المعجمة مصغر ضرس كوفي ولي قضاء الري فعرف بالرازي وقد روى أبو داود حديث الباب من طريق عنبسة بن خالد عن يونس بن يزيد وهو غير هذا ، وقد خفي هذا على أبي علي الصدفي فرأيت بخطه في هامش نسخته ما نصه : حديث عنبسة الذي أخرجه البخاري عن حكام أخرجه الباجي من طريق أبي داود عن أحمد بن صالح عن عنبسة . انتهى . فظن أنهما واحد وليس كذلك بل هما اثنان ، وشيخهما مختلف ، وليس لعنبسة بن سعيد هذا في البخاري سوى هذا الموضع الموقوف ، بخلاف عنبسة بن خالد . وكذا زكريا شيخه وهو ابن خالد الرازي ولا أعرف عنه راويا غير عنبسة بن سعيد المذكور . وقوله : " عن سهل " أي : ابن أبي حثمة المتقدم ذكره ، وزيد هو ابن ثابت ، والغرض أن الطريق الأولى عن أبي الزناد ليست غريبة فردة .

الحديث الثاني : حديث نافع عن ابن عمر بلفظ : " نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها " نهى البائع والمشتري ، أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل ، وأما المشتري فلئلا يضيع ماله ويساعد البائع على الباطل . وفيه أيضا قطع النزاع والتخاصم ، ومقتضاه جواز بيعها بعد بدو الصلاح مطلقا سواء اشترط الإبقاء [ ص: 463 ] أم لم يشترط ؛ لأن ما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، وقد جعل النهي ممتدا إلى غاية بدو الصلاح ، والمعنى فيه أن تؤمن فيها الغاية وتغلب السلامة فيثق المشتري بحصولها ، بخلاف ما قبل بدو الصلاح فإنه بصدد الغرر . وقد أخرج مسلم الحديث من طريق أيوب عن نافع فزاد في الحديث : " حتى يأمن العاهة " وفي رواية يحيى بن سعيد عن نافع بلفظ : " وتذهب عنه الآفة ببدو صلاحه حمرته وصفرته " وهذا التفسير من قول ابن عمر بينه مسلم في روايته من طريق شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر : " فقيل : لابن عمر ما صلاحه؟ قال : تذهب عاهته " وإلى الفرق بين ما قبل ظهور الصلاح وبعده ذهب الجمهور ، وعن أبي حنيفة إنما يصح بيعها في هذه الحالة حيث لا يشترط الإبقاء ، فإن شرطه لم يصح البيع .

وحكى النووي في " شرح مسلم " عنه أنه أوجب شرط القطع في هذه الصورة ، وتعقب بأن الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع حالة الإطلاق قبل بدو صلاح وبعده ، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده ، وأهل مذهبه أعرف به من غيرهم . واختلف السلف في قوله : " حتى يبدو صلاحها " هل المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في بستان من البلد مثلا جاز بيع ثمرة جميع البساتين وإن لم يبد الصلاح فيها ، أو لا بد من بدو الصلاح في كل بستان على حدة ، أو لا بد من بدو الصلاح في كل جنس على حدة أو في كل شجرة على حدة؟ على أقوال : والأول قول الليث ، وهو عند المالكية بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا . والثاني قول أحمد ، وعنه رواية كالرابع ، والثالث قول الشافعية . ويمكن أن يؤخذ ذلك من التعبير ببدو الصلاح ؛ لأنه دال على الاكتفاء بمسمى الإزهار من غير اشتراط تكامله فيؤخذ منه الاكتفاء بزهو بعض الثمرة وبزهو الشجرة مع حصول المعنى وهو الأمن من العاهة ، ولولا حصول المعنى لكان تسميتها مزهية بإزهاء بعضها قد لا يكتفى به لكونه على خلاف الحقيقة ، وأيضا فلو قيل : بإزهاء الجميع لأدى إلى فساد الحائط أو أكثره ، وقد من الله تعالى بكون الثمار لا تطيب دفعة واحدة ليطول زمن التفكه بها .

التالي السابق


الخدمات العلمية