صفحة جزء
باب ثمن الكلب

2122 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن
قوله : ( باب ثمن الكلب ) أورد فيه حديثين : أحدهما عن أبي مسعود " أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن " . ثانيهما حديث أبي جحيفة : " نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب الأمة " الحديث ، وقد تقدم في " باب موكل الربا " في أوائل البيع . واشتمل هذان الحديثان على أربعة أحكام أو خمسة إن غايرنا بين كسب الأمة ومهر البغي : الأول : ثمن الكلب ، وظاهر النهي تحريم بيعه ، وهو عام في كل كلب معلما كان أو غيره مما يجوز اقتناؤه أو لا يجوز ، ومن لازم ذلك أن لا قيمة على متلفه ، [ ص: 498 ] وبذلك قال الجمهور ، وقال مالك : لا يجوز بيعه وتجب القيمة على متلفه ، وعنه كالجمهور ، وعنه كقول أبي حنيفة يجوز وتجب القيمة ، وقال عطاء والنخعي : يجوز بيع كلب الصيد دون غيره وروى أبو داود من حديث ابن عباس مرفوعا : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وقال : إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا وإسناده صحيح ، وروى أيضا بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا : لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي نجاسته مطلقا وهي قائمة في المعلم وغيره ، وعلة المنع عند من لا يرى نجاسته النهي عن اتخاذه والأمر بقتله ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه ، ويدل عليه حديث جابر قال : نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب إلا كلب صيد أخرجه النسائي بإسناد رجاله ثقات إلا أنه طعن في صحته ، وقد وقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم بلفظ : نهى عن ثمن الكلب وإن كان ضاريا يعني : مما يصيد وسنده ضعيف ، قال أبو حاتم : هو منكر ، وفي رواية لأحمد : نهى عن ثمن الكلب وقال : طعمة جاهلية ونحوه للطبراني من حديث ميمونة بنت سعد ، وقال القرطبي : مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهية بيعه ولا يفسخ إن وقع ، وكأنه لما لم يكن عنده نجسا وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة كان حكمه حكم جميع المبيعات ، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها ؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق ، قال : وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه ، وعلى تقدير العموم في كل كلب فالنهي في هذه الثلاثة في القدر المشترك من الكراهة أعم من التنزيه والتحريم ، إذ كان واحد منهما منهيا عنه ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل آخر ، فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع لا من مجرد النهي ، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه إذ قد يعطف الأمر على النهي والإيجاب على النفي .

الحكم الثاني مهر البغي وهو ما تأخذه الزانية على الزنا سماه مهرا مجازا ، والبغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة وتشديد التحتانية وهو فعيل بمعنى فاعلة ، وجمع البغي بغايا ، والبغاء بكسر أوله الزنا والفجور ، وأصل البغاء الطلب غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد ، واستدل به على أن الأمة إذا أكرهت على الزنا فلا مهر لها ، وفي وجه للشافعية يجب للسيد .

الحكم الثالث كسب الأمة ، وسيأتي في الإجارة " باب كسب البغي والإماء " وفيه حديث أبي هريرة : " نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كسب الإماء " زاد أبو داود من حديث رافع بن خديج : " نهى عن كسب الأمة حتى يعلم من أين هو " فعرف بذلك النهي والمراد به كسبها بالزنا لا بالعمل المباح ، وقد روى أبو داود أيضا من حديث رفاعة بن رافع مرفوعا : " نهى عن كسب الأمة إلا ما عملت بيدها " وقال هكذا بيده نحو الغزل والنفش وهو بالفاء أي : نتف الصوف ، وقيل : المراد بكسب الأمة جميع كسبها وهو من باب سد الذرائع لأنها لا تؤمن إذا ألزمت بالكسب أن تكسب بفرجها ، فالمعنى أن لا يجعل عليها خراج معلوم تؤديه كل يوم .

الحكم الرابع حلوان الكاهن ، وهو حرام بالإجماع لما فيه من أخذ العوض على أمر باطل ، وفي معناه التنجيم والضرب بالحصى ، وغير ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب ، والحلوان مصدر حلوته حلوانا إذا أعطيته ، وأصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يأخذه سهلا بلا كلفة ولا مشقة يقال : حلوته إذا أطعمته الحلو ، والحلوان أيضا الرشوة ، والحلوان أيضا أخذ الرجل مهر ابنته لنفسه . وسيأتي الكلام على الكهانة وأصلها وحكمها في أواخر كتاب الطب من هذا الكتاب ، إن شاء الله تعالى .

الحكم الخامس ثمن الدم ، واختلف [ ص: 499 ] في المراد به فقيل : أجرة الحجامة ، وقيل : هو على ظاهره ، والمراد تحريم بيع الدم كما حرم بيع الميتة والخنزير ، وهو حرام إجماعا ، أعني بيع الدم وأخذ ثمنه ، وسيأتي الكلام على حكم أجرة الحجام في الإجارة ، إن شاء الله تعالى .

( خاتمة ) : اشتمل كتاب البيوع من المرفوع على مائتي حديث وسبعة وأربعين حديثا ، المعلق منها ستة وأربعون وما عداها موصول ، المكرر منه فيه وفيما مضى مائة وتسعة وثلاثون حديثا والخالص مائة وثمانية أحاديث ، وافقه مسلم على تخريجها سوى تسعة وعشرين حديثا وهي : حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة تزويجه ، وحديث أبي هريرة في التمرة الساقطة ، وحديث عائشة في التسمية على الذبيحة ، وحديث أبي هريرة : " يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال " وحديث أبي بكر : " قد علم قومي أن حرفتي " وحديث المقدام : " أطيب ما أكل من كسبه " وحديث أبي هريرة : " أن داود كان يأكل من كسبه " وحديث جابر : " رحم الله عبدا سمحا " وحديث العداء في العهدة ، وحديث أبي جحيفة في الحجام ، وحديث ابن عباس : " آخر آية أنزلت " وحديث ابن أبي أوفى : " أن رجلا أقام سلعة " وحديث ابن عمر : " كان على جمل صعب " وحديثه في الإبل الهيم ، وحديث : " اكتالوا حتى تستوفوا " وحديث : " إذا بعت فكل " وحديث جابر في دين أبيه ، وحديث المقدام : " كيلوا طعامكم " وحديث عائشة في شأن الهجرة ، وحديث : " المكر والخديعة في النار " وحديث أنس في الملامسة والمنابذة ، وحديث : " إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصحه " وحديث ابن عمر : " لا يبيع حاضر لباد " وحديث ابن عباس في المزابنة ، وحديث زيد بن ثابت في بيع الثمار ، وحديث سلمان في مكاتبته ، وحديث عبد الرحمن بن عوف مع صهيب ، وحديث أبي هريرة : " ثلاثة أنا خصمهم " وحديثه في إجلاء اليهود . وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين اثنان وخمسون أثرا . والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية