صفحة جزء
باب كيف تعرف لقطة أهل مكة وقال طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها وقال خالد عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تلتقط لقطتها إلا لمعرف وقال أحمد بن سعيد حدثنا روح حدثنا زكرياء حدثنا عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يعضد عضاهها ولا ينفر صيدها ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ولا يختلى خلاها فقال عباس يا رسول الله إلا الإذخر فقال إلا الإذخر

2302 حدثنا يحيى بن موسى حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي قال حدثني يحيى بن أبي كثير قال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال حدثني أبو هريرة رضي الله عنه قال لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين فإنها لا تحل لأحد كان قبلي وإنها أحلت لي ساعة من نهار وإنها لا تحل لأحد بعدي فلا ينفر صيدها ولا يختلى شوكها ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يفدى وإما أن يقيد فقال العباس إلا الإذخر فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الإذخر فقام أبو شاه رجل من أهل اليمن فقال اكتبوا لي يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبوا لأبي شاه قلت للأوزاعي ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله قال هذه الخطبة التي سمعها من رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ ص: 105 ] باب ( كيف تعرف لقطة أهل مكة ) كأنه أشار بذلك إلى إثبات لقطة الحرم ، فلذلك قصر الترجمة على الكيفية ، ولعله أشار إلى ضعف الحديث الوارد في النهي عن لقطة الحاج ، أو إلى تأويله بأن المراد النهي عن التقاطها للتملك لا للحفظ ، وأما الحديث فقد صححه مسلم من رواية عبد الرحمن بن عثمان التيمي . ثم ليس فيما ساقه المؤلف من حديثي ابن عباس وأبي هريرة كيفية التعريف التي ترجم لها . وكأنه أشار إلى أن ذلك لا يختلف .

قوله : ( وقال طاوس عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يلتقط لقطتها إلا من عرفها ) هو طرف من حديث وصله المؤلف في الحج في " باب لا يحل القتال بمكة " .

قوله : ( وقال خالد ) هو الحذاء ( عن عكرمة إلخ ) هو طرف أيضا وصله في أوائل البيوع في " باب ما قيل في الصواع " .

قوله : ( وقال أحمد بن سعيد ) هو الرباطي فيما حكاه ابن طاهر والدارمي فيما ذكره أبو نعيم .

قوله : ( حدثنا روح ) هو ابن عبادة وزكريا هـو ابن إسحاق ، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق أبي العباس بن عبد العظيم ، وأبو نعيم من طريق خلف بن سالم كلاهما عن روح بن عبادة بهذا الإسناد .

قوله : ( حدثنا يحيى بن موسى ) هو البلخي ، وفي الإسناد لطيفة وهي تصريح كل واحد من رواته بالتحديث مع أن فيه ثلاثة من المدلسين في نسق .

قوله : ( لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة قام في الناس ) ظاهره أن الخطبة وقعت عقب الفتح ، وليس كذلك بل وقعت قبل الفتح عقب قتل رجل من خزاعة رجلا من بني ليث ، ففي السياق حذف هذا بيانه وقد تقدم في كتاب العلم من وجه آخر عن يحيى بن أبي كثير .

قوله : ( القتل ) بالقاف والمثناة للأكثر وللكشميهني بالفاء والتحتانية ، والثاني هو الصواب ، وقد تقدم الخلاف فيه أيضا في العلم .

[ ص: 106 ] قوله : ( ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد ) أي معرف وأما الطالب فيقال له الناشد ، تقول نشدت الضالة إذا طلبتها ، وأنشدتها إذا عرفتها ، وأصل الإنشاد والنشيد رفع الصوت ، والمعنى لا تحل لقطتها إلا لمن يريد أن يعرفها فقط ، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا ، وقد تقدم الكلام على ما عدا هـذه الجملة في الحج إلا قوله : " ومن قتل له قتيل " فأحيل به على كتاب الديات ، وإلا قوله : " اكتبوا لأبي شاه " فتقدم الكلام عليه في العلم . والقائل : " قلت للأوزاعي " هو الوليد بن مسلم الراوي ، واستدل بحديثي ابن عباس وأبي هريرة المذكورين في هذا الباب على أن لقطة مكة لا تلتقط للتمليك بل للتعريف خاصة وهو قول الجمهور وإنما اختصت بذلك عندهم لإمكان إيصالها إلى ربها ، لأنها إن كانت للمكي فظاهر ، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها ، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها ، قاله ابن بطال .

وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية : هي كغيرها من البلاد ، وإنما تختص مكة بالمبالغة في التعريف لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود فاحتاج الملتقط بها إلى المبالغة في التعريف . واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء ، لأنه نفى الحل واستثنى المنشد فدل على أن الحل ثابت للمنشد لأن الاستثناء من النفي إثبات ، قال : ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء ، والقياس يقتضي تخصيصها . والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم ، والغالب أن لقطة مكة ييئس ملتقطها من صاحبها ، وصاحبها من وجدانها لتفرق الخلق إلى الآفاق البعيدة ، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة فلا يعرفها فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها ، وفارقت في ذلك لقطة العسكر ببلاد الحرب بعد تفرقهم فإنها لا تعرف في غيرهم باتفاق ، بخلاف لقطة مكة فيشرع تعريفها لإمكان عود أهل أفق صاحب اللقطة إلى مكة فيحصل متوصل إلى معرفة صاحبها وقال إسحاق ابن راهويه : قوله : " إلا لمنشد " أي لمن سمع ناشدا يقول : من رأى لي كذا ؟ فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يعرفها ليردها على صاحبها وهو أضيق من قول الجمهور لأنه قيده بحالة للمعرف دون حالة ، وقيل : المراد بالمنشد الطالب حكاه أبو عبيد وتعقبه بأنه لا يجوز في اللغة تسمية الطالب منشدا . قلت : ويكفي في رد ذلك قوله في حديث ابن عباس " لا يلتقط لقطتها إلا معرف " والحديث يفسر بعضه بعضا ، وكأن هذا هـو النكتة في تصدير البخاري الباب بحديث ابن عباس ، وأما اللغة فقد أثبت الحربي جواز تسمية الطالب منشدا وحكاه عياض أيضا واستدل به على أن لقطة عرفة والمدينة النبوية كسائر البلاد لاختصاص مكة بذلك ، وحكى الماوردي في " الحاوي " وجها في عرفة أنها تلتحق بحكم مكة لأنها تجمع الحاج كمكة ولم يرجح شيئا ، وليس الوجه المذكور في " الروضة " ولا أصلها ، واستدل به على جواز تعريف الضالة في المسجد الحرام بخلاف غيره من المساجد ، وهو أصح الوجهين عند الشافعية . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية