صفحة جزء
باب السبق بين الخيل

2713 حدثنا قبيصة حدثنا سفيان عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال أجرى النبي صلى الله عليه وسلم ما ضمر من الخيل من الحفياء إلى ثنية الوداع وأجرى ما لم يضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق قال ابن عمر وكنت فيمن أجرى قال عبد الله حدثنا سفيان قال حدثني عبيد الله قال سفيان بين الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال أو ستة وبين ثنية إلى مسجد بني زريق ميل
قوله : ( باب السبق بين الخيل ) أي مشروعية ذلك والسبق بفتح المهملة وسكون الموحدة مصدر وهو المراد هنا ، وبالتحريك الرهن الذي يوضع لذلك .

[ ص: 84 ] ثم قال ( باب إضمار الخيل للسبق ) إشارة إلى أن السنة في المسابقة أن يتقدم إضمار الخيل وإن كانت التي لا تضمر لا تمتنع المسابقة عليها .

ثم قال ( باب غاية السباق للخيل المضمرة ) أي بيان ذلك وبيان غاية التي لم تضمر ، وذكر في الأبواب الثلاثة حديث ابن عمر في ذلك .

وقوله في الطريق الأولى ( من الحفياء ) بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد : مكان خارج المدينة من جهة >[1] ويجوز القصر ، وحكى الحازمي تقديم الياء التحتانية على الفاء وحكى عياض ضم أوله وخطأه ، وقوله فيها " أجرى " قال في التي تليها " سابق " وهو بمعناه ، وقال فيها " قال ابن عمر وكنت فيمن أجرى " وقال في الرواية التي تليها " وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها " وسفيان " في الرواية الأولى هو الثوري وشيخه عبيد الله " بالتصغير هو ابن عمر العمري ، والطريق الثانية عن الليث مختصرة ، وقد أخرجها تامة النسائي عن قتيبة عن الليث ، وهو عند مسلم لكن لم يسق لفظه ، وقوله في الأولى : قال عبد الله قال سفيان حدثني عبيد الله " فعبد الله هو ابن الوليد العدني كذا رويناه في جامع سفيان الثوري من روايته عنه ، وأراد بذلك تصريح الثوري عن شيخه بالتحديث ، ووهم من قال فيه : وقال أبو عبد الله ، وزاد الإسماعيلي من طريق إسحاق وهو الأزرق عن الثوري في آخره ، قال ابن عمر وكنت فيمن أجرى فوثب بي فرسي جدارا ، وأخرجه مسلم من طريق أيوب عن نافع وقال فيه : فسبقت الناس فطفف بي الفرس مسجد بني زريق " أي جاوز بي المسجد الذي كان هو الغاية ، وأصل التطفيف مجاوزة الحد . وقوله في آخر الثانية : قال أبو عبد الله " هو المصنف ، وقوله " أمدا : غاية . فطال عليهم الأمد " وقع هذا في رواية [ ص: 85 ] المستملي وحده ، وهو تفسير أبي عبيدة في " المجاز " وهو متفق عليه عند أهل اللغة قال النابغة :

سبق الجواد إذا استولى على الأمد

. ومعاوية في الرواية الثالثة هو ابن عمرو الأزدي ، وأبو إسحاق هو الفزاري ، وقوله فيها " قال سفيان " هو موصول بالإسناد المذكور ، ولم يسند سفيان ذلك . وقد ذكر نحوه موسى بن عقبة في الرواية الثالثة ، إلا أن سفيان قال في المسافة التي بين الحفياء والثنية خمسة أو ستة ، وقال موسى ستة أو سبعة وهو اختلاف قريب ، وقال سفيان في المسافة الثانية ميل أو نحوه ، وقد وقع في رواية الترمذي من طريق عبيد الله بن عمر إدراج ذلك في نفس الخبر والخبر بالستة وبالميل ، قال ابن بطال : إنما ترجم لطريق الليث بالإضمار وأورده بلفظ " سابق بين الخيل التي لم تضمر " ; ليشير بذلك إلى تمام الحديث . وقال ابن المنير : لا يلتزم ذلك في تراجمه بل ربما ترجم مطلقا لما قد يكون ثابتا ولما قد يكون منفيا ، فمعنى قوله " إضمار الخيل للسبق " أي هل هو شرط أم لا ؟ فبين بالرواية التي ساقها أن ذلك ليس بشرط ، ولو كان غرضه الاقتصار المجرد لكان الاقتصار على الطرف المطابق للترجمة أولى ، لكنه عدل عن ذلك للنكتة المذكورة ، وأيضا فلإزالة اعتقاد أن التضمير لا يجوز لما فيه من مشقة سوقها والخطر فيه ، فبين أنه ليس بممنوع بل مشروع والله أعلم . قلت : ولا منافاة بين كلامه وكلام ابن بطال بل أفاد النكتة في الاقتصار .

قوله : ( أضمرت ) بضم أوله ، وقوله " لم تضمر " بسكون الضاد المعجمة ، والمراد به أن تعلف الخيل حتى تسمن وتقوى ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمى فتعرق فإذا جف عرقها خف لحمها وقويت على الجري ، وفي الحديث مشروعية المسابقة ، وأنه ليس من العبث بل من الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند الحاجة ، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك ، قال القرطبي : لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب وعلى الأقدام ، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة لما في ذلك من التدريب على الحرب ، وفيه جواز إضمار الخيل ، ولا يخفى اختصاص استحبابها بالخيل المعدة للغزو . وفيه مشروعية الإعلام بالابتداء والانتهاء عند المسابقة ، وفيه نسبة الفعل إلى الآمر به لأن قوله " سابق " أي أمر أو أباح .

( تنبيه ) :

لم يتعرض في هذا الحديث للمراهنة على ذلك ، لكن ترجم الترمذي له " باب المراهنة على الخيل " ولعله أشار إلى ما أخرجه أحمد من رواية عبد الله بن عمر المكبر عن نافع عن ابن عمر " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل وراهن " وقد أجمع العلماء كما تقدم على جواز المسابقة بغير عوض ، لكن قصرها مالك والشافعي على الخف والحافر والنصل ، وخصه بعض العلماء بالخيل ، وأجازه عطاء في كل شيء واتفقوا على جوازها بعوض بشرط أن يكون من غير المتسابقين كالإمام حيث لا يكون له معهم فرس وجوز الجمهور أن يكون من أحد الجانبين من المتسابقين ، وكذا إذا كان معهما ثالث محلل بشرط أن لا يخرج من عنده شيئا ليخرج العقد عن صورة القمار " وهو أن يخرج كل منهما سبقا فمن غلب أخذ السبقين فاتفقوا على منعه ، ومنهم من شرط في المحلل أن يكون لا يتحقق السبق في مجلس السبق . وفيه أن المراد بالمسابقة بالخيل كونها مركوبة لا مجرد إرسال الفرسين بغير راكب ، لقوله في الحديث " وأن عبد الله بن عمر كان فيمن سابق بها " كذا استدل به بعضهم ، وفيه نظر لأن الذي لا يشترط الركوب لا يمنع صورة [ ص: 86 ] الركوب ، وإنما احتج الجمهور بأن الخيل لا تهتدي بأنفسها لقصد الغاية بغير راكب وربما نفرت ، وفيه نظر لأن الاهتداء لا يختص بالركوب ، فلو أن السائس كان ماهرا في الجري بحيث لو كان مع كل فرس ساع يهديها إلى الغاية لأمكن ، وفيه جواز إضافة المسجد إلى قوم مخصوصين ، وقد ترجم له البخاري بذلك في كتاب الصلاة ، وفيه جواز معاملة البهائم عند الحاجة بما يكون تعذيبا لها في غير الحاجة كالإجاعة والإجراء وفيه تنزيل الخلق منازلهم لأنه صلى الله عليه وسلم غاير بين منزلة المضمر وغير المضمر ولو خلطهما لأتعب غير المضمر .

التالي السابق


الخدمات العلمية