صفحة جزء
باب قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب الراجع المنيب وقوله هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وقوله واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر أذبنا له عين الحديد ومن الجن من يعمل بين يديه إلى قوله من محاريب قال مجاهد بنيان ما دون القصور وتماثيل وجفان كالجواب كالحياض للإبل وقال ابن عباس كالجوبة من الأرض وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض الأرضة تأكل منسأته عصاه فلما خر إلى قوله في العذاب المهين حب الخير عن ذكر ربي فطفق مسحا بالسوق والأعناق يمسح أعراف الخيل وعراقيبها الأصفاد الوثاق قال مجاهد الصافنات صفن الفرس رفع إحدى رجليه حتى تكون على طرف الحافر الجياد السراع جسدا شيطانا رخاء طيبة حيث أصاب حيث شاء فامنن أعط بغير حساب بغير حرج

3241 حدثني محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم إن عفريتا من الجن تفلت البارحة ليقطع علي صلاتي فأمكنني الله منه فأخذته فأردت أن أربطه على سارية من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم فذكرت دعوة أخي سليمان رب هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فرددته خاسئا عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعتها الزبانية
[ ص: 528 ] قوله : ( قول الله تعالى ووهبنا لداود سليمان ) في رواية غير أبي ذر " باب قول الله " .

قوله : ( نعم العبد إنه أواب الراجع المنيب ) هو تفسير الأواب . وقد أخرج ابن جريج من طريق مجاهد قال : الأواب الرجاع عن الذنوب ومن طريق قتادة قال : المطيع ، ومن طريق السدي قال : هو المسبح .

قوله : من محاريب ، قال مجاهد : بنيان ما دون القصور ) وصله عبد بن حميد عنه كذلك وقال أبو عبيدة المحاريب جمع محراب وهو مقدم كل بيت ، وهو أيضا المسجد والمصلى .

قوله : وجفان كالجواب كالحياض للإبل ، وقال ابن عباس كالجوبة من الأرض ) أما قول مجاهد فوصله عبد بن حميد عنه ، وأما قول ابن عباس فوصله ابن أبي حاتم عنه ، وقال أبو عبيدة : الجوابي جمع جابية ، وهو الحوض الذي يجبى فيه الماء .

[ ص: 529 ] قوله : ( دابة الأرض ) الأرضة .

قوله : ( منسأته : عصاه ) هو قول ابن عباس وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه ، قال أبو عبيدة : المنسأة العصا . ثم ذكر تصريفها وهي مفعلة من نسأت إذا زجرت الإبل أي ضربتها بالمنسأة .

قوله : ( فطفق مسحا بالسوق والأعناق ، يمسح أعراف الخيل وعراقيبها ) هو قول ابن عباس أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه وزاد في آخره " حبا لها " ، وروى من طريق الحسن قال : كشف عراقيبها وضرب أعناقها ، وقال : لا تشغلني عن عبادة ربي مرة أخرى . قال أبو عبيدة : ومنه قوله مسح علاوته إذا ضرب عنقه . قال ابن جرير : وقول ابن عباس أقرب إلى الصواب .

قوله : ( الأصفاد الوثاق ) روى ابن جرير من طريق السدي قال : مقرنين في الأصفاد : أي يجمع اليدين إلى العنق بالأغلال . وقال أبو عبيدة : الأصفاد الأغلال واحدها صفد ، ويقال للغطاء أيضا صفد .

قوله : ( قال مجاهد : الصافنات ، صفن الفرس رفع إحدى رجليه حتى يكون على طرف الحافر ) وصله الفريابي من طريقه قال : صفن الفرس إلخ ، لكن قال " يديه " ووقع في أصل البخاري " رجليه " وصوب عياض ما عند الفريابي . وقال أبو عبيدة : الصافن الذي يجمع بين يديه ويثني مقدم حافر إحدى رجليه .

قوله : ( الجياد السراع ) وصله الفريابي من طريق مجاهد أيضا . روى ابن جرير من طريق إبراهيم التيمي أنها كانت عشرين فرسا ذوات أجنحة .

قوله : ( جسدا شيطانا ) قال الفريابي : حدثنا ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله : وألقينا على كرسيه جسدا قال : شيطانا يقال له آصف ، قال له سليمان كيف تفتن الناس ؟ قال أرني خاتمك أخبرك ، فأعطاه ، فنبذه آصف في البحر فساخ ، فذهب ملك سليمان وقعد آصف على كرسيه ، ومنعه الله نساء سليمان فلم يقربهن ، فأنكرته أم سليمان ، وكان سليمان يستطعم ويعرفهم بنفسه فيكذبونه حتى أعطته امرأة حوتا فطيب بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرد الله إليه ملكه ، وفر آصف فدخل البحر . وروى ابن جرير من وجه آخر عن مجاهد أن اسمه آصر آخره راء ، ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أن اسم الجني صخر ، ومن طريق السدي كذلك وأخرج القصة من طريقه مطولة ، والمشهور أن آصف اسم الرجل الذي كان عنده علم من الكتاب والله أعلم .

قوله : ( رخاء طيبة ) في رواية الكشميهني " طيبا " رواه الفريابي من الوجه المذكور في قوله : " رخاء " قال طيبة .

قوله : ( حيث أصاب حيث شاء ) وصله الفريابي كذلك .

قوله : ( فامنن أعط ، بغير حساب بغير حرج ) وصله الفريابي من طريق مجاهد كذلك ، وقال أبو [ ص: 530 ] عبيدة في قوله : بغير حساب أي بغير ثواب ولا جزاء ، أو بغير منة ولا قلة .

ثم أورد المصنف أربعة أحاديث : أولها حديث أبي هريرة في تفلت العفريت على النبي صلى الله عليه وسلم .

قوله : ( تفلت علي ) بتشديد اللام أي تعرض لي فلتة أي بغتة .

قوله : ( البارحة ) أي الليلة الخالية الزائلة ، والبارح الزائل ، ويقال من بعد الزوال إلى آخر النهار البارحة .

قوله : ( فذكرت دعوة أخي سليمان ) أي قوله : وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي وفي هذه إشارة إلى أنه تركه رعاية لسليمان عليه السلام ، ويحتمل أن تكون خصوصية سليمان استخدام الجن في جميع ما يريده لا في هذا القدر فقط ، واستدل الخطابي بهذا الحديث على أن أصحاب سليمان كانوا يرون الجن في أشكالهم وهيئتهم حال تصرفهم ، قال : وأما قوله تعالى : إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فالمراد الأكثر الأغلب من أحوال بني آدم ، وتعقب بأن نفي رؤية الإنس للجن على هيئتهم ليس بقاطع من الآية بل ظاهرها أنه ممكن ، فإن نفي رؤيتنا إياهم مقيد بحال رؤيتهم لنا ولا ينفي إمكان رؤيتنا لهم في غير تلك الحالة ، ويحتمل العموم . وهذا الذي فهمه أكثر العلماء حتى قال الشافعي : من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته ، واستدل بهذه الآية . والله أعلم .

قوله : ( عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زبنية جماعته زبانية ) الزبانية في الأصل اسم أصحاب الشرطة ، مشتق من الزبن وهو الدفع ، وأطلق على الملائكة ، ذلك لأنهم يدفعون الكفار في النار ، وواحد الزبانية زبنية وقيل : زبني وقيل : زابن وقيل : زباني وقال قوم لا واحد له من لفظه وقيل واحده زبنيت وزن عفريت ، ويقال عفرية لغة مستقلة ليست مأخوذة من عفريت ، ومراد المصنف بقوله : " مثل زبنية " أي أنه قيل في عفريت عفرية ، وهي قراءة رويت في الشواذ عن أبي بكر الصديق ، وعن أبي رجاء العطاردي وأبي السمال بالمهملة واللام ، وقال ذو الرمة :


كأنه كوكب في إثر عفرية مصوب في ظلام الليل منتصب



وقد تقدم كثير من بيان أحوال الجن في " باب صفة إبليس وجنوده " من بدء الخلق . قال ابن عبد البر : الجن على مراتب ، فالأصل جني ، فإن خالط الإنس قيل : عامر ، ومن تعرض منهم للصبيان قيل : أرواح ، ومن زاد في الخبث قيل شيطان ، فإن زاد على ذلك قيل : مارد ، فإن زاد على ذلك قيل : عفريت . وقال الراغب : العفريت من الجن هو العارم الخبيث ، وإذا بولغ فيه قيل عفريت نفريت . وقال ابن قتيبة : العفريت الموثق الخلق ، وأصله من العفر وهو التراب ، ورجل عفر بكسر أوله وثانيه وتثقيل ثالثه إذا بولغ فيه قيل عفريت بكسر أوله وثانيه وتثقيل ثالثه إذا بولغ فيه أيضا .

التالي السابق


الخدمات العلمية