صفحة جزء
باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال

4114 حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا الليث قال حدثني سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم وإن تنعم تنعم على شاكر وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت فترك حتى كان الغد ثم قال له ما عندك يا ثمامة قال ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر فتركه حتى كان بعد الغد فقال ما عندك يا ثمامة فقال عندي ما قلت لك فقال أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نجل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله يا محمد والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة فماذا ترى فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يعتمر فلما قدم مكة قال له قائل صبوت قال لا ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم
قوله : ( باب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال ) أما حنيفة فهو ابن لجيم بجيم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وهي قبيلة كبيرة شهيرة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن ، وكان وفد بني حنيفة كما ذكره ابن إسحاق وغيره في سنة تسع ، وذكر الواقدي كانوا سبعة عشر رجلا فيهم مسيلمة . وأما ثمامة بن أثال فأبوه بضم الهمزة خفيفة ابن النعمان بن مسلمة الحنفي ، وهو من فضلاء الصحابة ، وكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان ، فإن قصته صريحة في أنها كانت قبل فتح مكة كما سنبينه ، وكان البخاري ذكرها هنا استطرادا . ثم ذكر المصنف فيه أربعة أحاديث : الحديث الأول حديث أبي هريرة في قصة ثمامة ، وقد صرح فيه بسماع سعيد المقبري له من أبي هريرة .

وأخرجه ابن إسحاق عن سعيد فقال : " عن أبيه عن أبي هريرة " وهو من المزيد في متصل الأسانيد فإن الليث موصوف بأنه أتقن الناس لحديث سعيد المقبري ، ويحتمل أن يكون سعيد سمعه من أبي [ ص: 689 ] هريرة ، وكان أبوه قد حدثه به قبل ، أو ثبته في شيء منه فحدث به على الوجهين .

قوله : ( بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - خيلا قبل نجد ) أي بعث فرسان خيل إلى جهة نجد ، وزعم سيف في " كتاب الزهد " له أن الذي أخذ ثمامة وأسره هو العباس بن عبد المطلب ، وفيه نظر أيضا ؛ لأن العباس إنما قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في زمان فتح مكة ، وقصة ثمامة تقتضي أنها كانت قبل ذلك بحيث اعتمر ثمامة ثم رجع إلى بلاده ثم منعهم أن يميروا أهل مكة ، ثم شكا أهل مكة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، ثم بعث يشفع فيهم عند ثمامة .

قوله : ( ماذا عندك ) أي أي شيء عندك ؟ ويحتمل أن تكون " ما : " استفهامية " وذا " : موصولة " وعندك " : صلته ، أي ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك ؟ فأجاب بأنه ظن خيرا فقال : عندي يا محمد خير ؛ أي لأنك لست ممن يظلم ، بل ممن يعفو ويحسن .

قوله : ( إن تقتلني تقتل ذا دم ) كذا للأكثر بمهملة مخففة الميم ، وللكشميهني " ذم " بمعجمة مثقل الميم ، قال النووي : معنى رواية الأكثر إن تقتل تقتل ذا دم أي صاحب دم ، لدمه موقع يشتفي قاتله بقتله ويدرك ثأره لرياسته وعظمته ، ويحتمل أن يكون المعنى أنه عليه دم وهو مطلوب به فلا لوم عليك في قتله . وأما الرواية بالمعجمة فمعناها ذا ذمة ، وثبت كذلك في رواية أبي داود ، وضعفها عياض بأنه يقلب المعنى لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع قتله . قال النووي : يمكن تصحيحها بأن يحمل على الوجه الأول ، والمراد بالذمة الحرمة في قومه ، وأوجه الجميع الوجه الثاني ؛ لأنه مشاكل لقوله بعد ذلك : " وإن تنعم تنعم على شاكر " ، وجميع ذلك تفصيل لقوله عندي خير ; وفعل الشرط إذا كرر في الجزاء دل على فخامة الأمر .

قوله : ( قال : عندي ما قلت لك ) أي إن تنعم تنعم على شاكر ; هكذا اقتصر في اليوم الثاني على أحد الشقين . وحذف الأمرين في اليوم الثالث ، وفيه دليل على حذفه وذلك أنه قدم أول يوم أشق الأمرين عليه وأشفى الأمرين لصدر خصومه وهو القتل ، فلما لم يقع اقتصر على ذكر الاستعطاف وطلب الإنعام في اليوم الثاني ، فكأنه في اليوم الأول رأى أمارات الغضب فقدم ذكر القتل ، فلما لم يقتله طمع في العفو فاقتصر عليه ، فلما لم يعمل شيئا مما قال اقتصر في اليوم الثالث على الإجمال تفويضا إلى جميل خلقه - صلى الله عليه وسلم - . وقد وافق ثمامة في هذه المخاطبة قول عيسى عليه السلام : إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم لأن المقام يليق بذلك

قوله : ( فقال : أطلقوا ثمامة ) في رواية ابن إسحاق " قال : قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك " وزاد ابن إسحاق في روايته أنه لما كان في الأسر جمعوا ما كان في أهل النبي - صلى الله عليه وسلم - من طعام ولبن فلم يقع ذلك من ثمامة موقعا ، فلما أسلم جاءوه بالطعام فلم يصب منه إلا قليلا . فتعجبوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الكافر يأكل في سبعة أمعاء ، وإن المؤمن يأكل في معى واحد .

[ ص: 690 ] قوله : ( فبشره ) أي بخيري الدنيا والآخرة ، أو بشره بالجنة أو بمحو ذنوبه وتبعاته السابقة .

قوله : ( فلما قدم مكة ) زاد ابن هشام قال : " بلغني أنه خرج معتمرا حتى إذا كان ببطن مكة لبى ، فكان أول من دخل مكة يلبي . فأخذته قريش فقالوا : لقد اجترأت علينا ، وأرادوا قتله ، فقال قائل منهم : دعوه فإنكم تحتاجون إلى الطعام من اليمامة فتركوه " .

قوله : ( قال : لا ولكن أسلمت مع محمد ) كأنه قال : لا ما خرجت من الدين ؛ لأن عبادة الأوثان ليست دينا ، فإذا تركتها لا أكون خرجت من دين ، بل استحدثت دين الإسلام . وقوله : " مع محمد " أي وافقته على دينه فصرنا متصاحبين في الإسلام أنا بالابتداء وهو بالاستدامة . ووقع في رواية ابن هشام " ولكن تبعت خير الدين دين محمد " .

قوله : ( ولا والله ) فيه حذف تقديره : والله لا أرجع إلى دينكم ولا أرفق بكم فأترك الميرة تأتيكم من اليمامة .

قوله : ( لا تأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - ) زاد ابن هشام " ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا ، فكتبوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنك تأمر بصلة الرحم ، فكتب إلى ثمامة أن يخلي بينهم وبين الحمل إليهم " . وفي قصة ثمامة من الفوائد ربط الكافر في المسجد ، والمن على الأسير الكافر وتعظيم أمر العفو عن المسيء ؛ لأن ثمامة أقسم أن بغضه انقلب حبا في ساعة واحدة لما أسداه النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه من العفو والمن بغير مقابل . وفيه الاغتسال عند الإسلام وأن الإحسان يزيل البغض ويثبت الحب ، وأن الكافر إذا أراد عمل خير ثم أسلم شرع له أن يستمر في عمل ذلك الخير . وفيه الملاطفة بمن يرجى إسلامه من الأسارى إذا كان في ذلك مصلحة للإسلام ، ولا سيما من يتبعه على إسلامه العدد الكثير من قومه ، وفيه بعث السرايا إلى بلاد الكفار ، وأسر من وجد منهم ، والتخيير بعد ذلك في قتله أو الإبقاء عليه .

[ ص: 691 ] الحديث الثاني .

التالي السابق


الخدمات العلمية