صفحة جزء
باب واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى مثابة يثوبون يرجعون

4213 حدثنا مسدد عن يحيى بن سعيد عن حميد عن أنس قال قال عمر وافقت الله في ثلاث أو وافقني ربي في ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذت مقام إبراهيم مصلى وقلت يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله آية الحجاب قال وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض نسائه فدخلت عليهن قلت إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا منكن حتى أتيت إحدى نسائه قالت يا عمر أما في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت فأنزل الله عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات الآية وقال ابن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني حميد سمعت أنسا عن عمر
قوله : باب واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى كذا لهم ، والجمهور على كسر الخاء من قوله : ( واتخذوا ) بصيغة الأمر ، وقرأ نافع وابن عامر بفتح الخاء بصيغة الخبر ، والمراد من اتبع إبراهيم . وهو معطوف على قوله ( جعلنا ) فالكلام جملة واحدة ، وقيل على " وإذ جعلنا " فيحتاج إلى تقدير " إذ " ويكون الكلام جملتين ، وقيل على محذوف تقديره فثابوا أي رجعوا واتخذوا ، وتوجيه قراءة الجمهور أنه معطوف على ما تضمنه قوله ( مثابة ) كأنه قال : ثوبوا واتخذوا ، أو معمول لمحذوف أي وقلنا اتخذوا ، ويحتمل أن يكون الواو للاستئناف .

قوله : ( مثابة يثوبون يرجعون ) قال أبو عبيدة : قوله تعالى ( مثابة ) مصدر يثوبون أي يصيرون إليه ، ومراده بالمصدر اسم المصدر ، وقال غيره : هو اسم مكان . وروى الطبري من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله : ( مثابة ) قال : يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه لا يقضون منه وطرا . قال : الفراء : المثابة بمعنى واحد كالمقام والمقامة . وقال البصريون : الهاء للمبالغة لما كثر من يثوب إليه ، كما قالوا : سيارة لمن يكثر السير ، [ ص: 19 ] والأصل في مثاب مثوبة فأعل بالنقل والقلب . ثم ذكر المصنف حديث أنس عن عمر قال : " وافقت ربي في ثلاث " وقد تقدم في أوائل الصلاة ، وتأتي قصة الحجاب في تفسير الأحزاب ، والتخيير في تفسير التحريم . وقوله في الحديث " فانتهيت إلى إحداهن " يأتي الكلام عليه " باب غيرة النساء " من أواخر كتاب النكاح .

قوله : ( وقال ابن أبي مريم إلخ ) تقدم أيضا في الصلاة ، وروى أبو نعيم في " الدلائل " من حديث ابن عمر أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيد عمر فمر به على المقام فقال له : هذا مقام إبراهيم ، قال : يا نبي الله ألا تتخذه مصلى ؟ فنزلت

تكملة : قال ابن الجوزي : إنما طلب عمر الاستنان بإبراهيم - عليه السلام - مع النهي عن النظر في كتاب التوراة لأنه سمع قول الله تعالى في حق إبراهيم إني جاعلك للناس إماما وقوله تعالى : أن اتبع ملة إبراهيم فعلم أن الائتمام بإبراهيم من هذه الشريعة ، ولكون البيت مضافا إليه وأن أثر قدميه في المقام كرقم الباني في البناء ليذكر به بعد موته ، فرأى الصلاة عند المقام كقراءة الطائف بالبيت اسم من بناه . انتهى وهي مناسبة لطيفة . ثم قال : ولم تزل آثار قدمي إبراهيم حاضرة في المقام معروفة عند أهل الحرم ، حتى قال أبو طالب في قصيدته المشهورة :

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة قدميه حافيا غير ناعل



وفي " موطأ ابن وهب " عن يونس عن ابن شهاب عن أنس قال : رأيت المقام فيه أصابع إبراهيم وأخمص قدميه غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم . وأخرج الطبري في تفسيره من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في هذه الآية : إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه . قال : ولقد ذكر لنا من رأى أثر عقبه وأصابعه فيها فما زالوا يمسحونه حتى اخلولق وانمحا . وكان المقام من عهد إبراهيم لزق البيت إلى أن أخره عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي هو فيه الآن . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بسند صحيح عن عطاء وغيره وعن مجاهد أيضا ، وأخرج البيهقي عن عائشة مثله بسند قوي ولفظه أن المقام كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفي زمن أبي بكر ملتصقا بالبيت ثم أخره عمر ، وأخرج ابن مردويه بسند ضعيف عن مجاهد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي حوله ، والأول أصح . وقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عيينة قال : كان المقام في سقع البيت في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فحوله عمر ، فجاء سيل فذهب به فرده عمر إليه . قال سفيان : لا أدري أكان لاصقا بالبيت أم لا . انتهى . ولم تنكر الصحابة فعل عمر ولا من جاء بعدهم فصار إجماعا . وكان عمر رأى أن إبقاءه يلزم منه التضييق على الطائفين أو على المصلين فوضعه في مكان يرتفع به الحرج ، وتهيأ له ذلك لأنه الذي كان أشار باتخاذه مصلى ، وأول من عمل عليه المقصورة الموجودة الآن .

التالي السابق


الخدمات العلمية