صفحة جزء
باب قوله كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين

4421 حدثني عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أخبروني بشجرة تشبه أو كالرجل المسلم لا يتحات ورقها ولا ولا ولا تؤتي أكلها كل حين قال ابن عمر فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هي النخلة فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال ما منعك أن تكلم قال لم أركم تكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا قال عمر لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا
قوله : قوله : ( سورة إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - بسم الله الرحمن الرحيم ) سقطت البسملة لغير أبي ذر .

قوله : ( وقال ابن عباس : هاد داع ) كذا في جميع النسخ . وهذه الكلمة إنما وقعت في السورة التي قبلها في قوله تعالى إنما أنت منذر ولكل قوم هاد واختلف أهل التأويل في تفسيرها بعد اتفاقهم على أن المراد بالمنذر محمد - صلى الله عليه وسلم - . فروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله : ولكل قوم هاد أي داع . ومن طريق قتادة مثله . ومن طريق العوفي عن ابن عباس قال : الهادي الله . وهذا بمعنى الذي قبله كأنه لحظ قوله تعالى والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء . ومن طريق أبي العالية قال : الهادي القائد . ومن طريق مجاهد وقتادة أيضا : الهادي نبي . وهذا أخص من الذي قبله . ويحمل القوم في الآية في هذه الأقوال على العموم . ومن طريق عكرمة وأبي الضحى ومجاهد أيضا قال : الهادي محمد . وهذا أخص من الجميع . والمراد بالقوم على هذا الخصوص أي هذه الأمة . والمستغرب ما أخرجه الطبري بإسناد حسن من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الآية وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده على صدره وقال : أنا المنذر . وأومأ إلى علي وقال أنت الهادي بك يهتدي المهتدون بعدي فإن ثبت هذا فالمراد بالقوم أخص من الذي قبله أي بني هاشم مثلا . وأخرج ابن أبي حاتم وعبد الله بن أحمد في زيادات المسند وابن مردويه من [ ص: 227 ] طريق السدي عن عبد خير عن علي قال : الهادي رجل من بني هاشم . قال بعض رواته : هو علي . وكأنه أخذه من الحديث الذي قبله . وفي إسناد كل منهما بعض الشيعة . ولو كان ذلك ثابتا ما تخالفت رواته .

قوله : ( وقال مجاهد : صديد قيح ودم ) سقط هذا لأبي ذر ، وصله الفريابي بسنده إليه في قوله : ويسقى من ماء صديد قال : قيح ودم .

قوله : ( وقال ابن عيينة اذكروا نعمة الله عليكم أيادي الله عندكم وأيامه ) وصله الطبري من طريق الحميدي عنه ، وكذا رويناه في " تفسير ابن عيينة " رواية سعيد بن عبد الرحمن عنه ، وأخرج عبد الله بن أحمد في زيادات المسند والنسائي ، وكذا ذكره ابن أبي حاتم من طريق ابن عباس عن أبي بن كعب قال : إن الله أوحى إلى موسى وذكرهم بأيام الله ، قال : نعم الله . وأخرجه عبد الرزاق من حديث ابن عباس بإسناد صحيح فلم يقل عن أبي بن كعب .

قوله : ( وقال مجاهد من كل ما سألتموه رغبتم إليه فيه ) وصله الفريابي في قوله : وآتاكم من كل ما سألتموه قال : رغبتم إليه فيه .

قوله : ( تبغونها عوجا تلتمسون لها عوجا ) كذا وقع هنا للأكثر ، ولأبي ذر قبل الباب الذي يليه وصنيعهم أولى لأن هذا من قول مجاهد فذكره مع غيره من تفاسيره أولى ، وقد وصله عبد بن حميد من طريق ابن نجيح عن مجاهد في قوله : وتبغونها عوجا قال تلتمسون لها الزيغ ، وذكر يعقوب بن السكيت أن العوج بكسر العين في الأرض والدين ، وبفتحها في العود ونحوه مما كان منتصبا .

قوله : ( ولا خلال مصدر خاللته خلالا ، ويجوز أيضا جمع خلة وخلال ) كذا وقع فيه فأوهم أنه من تفسير مجاهد ، وإنما هو من كلام أبي عبيدة ، قال في قوله تعالى لا بيع فيه ولا خلال أي لا مخالة خليل ، قال وله معنى آخر جمع خلة مثل حلة والجمع خلال وقلة والجمع قلال . وروى الطبري من طريق قتادة قال : علم الله أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا ، فمن كان يخالل الله فليدم عليه وإلا فسينقطع ذلك عنه ، وهذا يوافق من جعل الخلال في الآية جمع خلة .

قوله : ( وإذ تأذن ربكم : أعلمكم آذنكم ) كذا للأكثر ، ولأبي ذر أعلمكم ربكم ، قال أبو عبيدة في قوله تعالى وإذ تأذن ربكم إذ زائدة ، وتأذن تفعل من آذن أي أعلم ، وهو قول أكثر أهل اللغة إن تأذن من الإيذان وهو الإعلام ، ومعنى تفعل عزم عزما جازما ، ولهذا أجيب بما يجاب به القسم . ونقل أبو علي الفارسي أن بعض العرب يجعل أذن وتأذن بمعنى واحد . قلت : ومثله قولهم تعلم موضع أعلم وأوعد وتوعد وقيل إن إذ زائدة فإن المعنى اذكروا حين تأذن ربكم وفيه نظر .

قوله : ( أيديهم في أفواههم ، هذا مثل كفوا عما أمروا به ) قال أبو عبيدة في قوله : فردوا أيديهم في أفواههم مجازه مجاز المثل ومعناه كقوله عما أمروا بقبوله من الحق ولم يؤمنوا به يقال رد يده في فمه إذا أمسك ولم يجب . وقد تعقبوا كلام أبي عبيدة فقيل : لم يسمع من العرب رد يده في فيه إذا ترك الشيء الذي كان يريد أن يفعله ، وقد روى عبد بن حميد من طريق أبي الأحوص عن عبد الله قال : عضوا على أصابعهم ، وصححه الحاكم وإسناده صحيح ، ويؤيده الآية الأخرى وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ، وقال الشاعر :

يردون [ ص: 228 ] في فيه غيظ الحسود

أي يغيظون الحسود حتى يعض على أصابعه وقيل المعنى رد الكفار أيدي الرسل في أفواهم بمعنى أنهم امتنعوا من قبول كلامهم ، أو المراد بالأيدي النعم أي ردوا نعمة الرسل وهي نصائحهم عليهم لأنهم إذا كذبوها كأنهم ردوها من حيث جاءت .

قوله : ( مقامي حيث يقيمه الله بين يديه ) قال أبو عبيدة في قوله : ذلك لمن خاف مقامي قال : حيث أقيمه بين يدي للحساب . قلت : وفيه قول آخر قال الفراء أيضا إنه مصدر لكن قال إنه مضاف للفاعل أي قيامي عليه بالحفظ .

قوله : من ورائه قدامه جهنم قال أبو عبيدة في قوله : من ورائه جهنم مجازه قدامه وأمامه يقال : الموت من ورائك أي قدامك وهو اسم لكل ما توارى عن الشخص ، نقله ثعلب ، ومنه قول الشاعر :

أليس ورائي إن تراخت منيتي     لزوم العصا تحنى عليها الأصابع

وقول النابغة :

وليس وراء الله للمرء مذهب

أي بعد الله ونقل قطرب وغيره أنه من الأضداد ، وأنكره إبراهيم بن عرفة نفطويه وقال : لا يقع وراء بمعنى أمام إلا في زمان أو مكان .

قوله : ( لكم تبعا واحدها تابع مثل غيب وغائب ) هو قول أبي عبيدة أيضا ، وغيب بفتح الغين المعجمة والتحتانية بعدها موحدة .

قوله : ( بمصرخكم ، استصرخني استغاثني ، يستصرخه من الصراخ ) سقط هذا لأبي ذر ، قال أبو عبيدة ما أنا بمصرخكم أي ما أنا بمغيثهم ، ويقال استصرخني فأصرخته أي استغاثني فأغثته .

قوله : ( اجتثت استؤصلت ) هو قول أبي عبيدة أيضا أي قطعت جثثها بكمالها . وأخرجه الطبري من طريق سعيد عن قتادة مثله ، ومن طريق العوفي عن ابن عباس : ضرب الله مثل الشجرة الخبيثة بمثل الكافر ، يقول : الكافر لا يقبل عمله ولا يصعد ، فليس له أصل ثابت في الأرض ولا فرع في السماء ومن طريق الضحاك قال في قوله ما لها من قرار أي ما لها أصل ولا فرع ولا ثمرة ولا منفعة ، كذلك الكافر ليس يعمل خيرا ولا يقول خيرا ، ولم يجعل الله فيه بركة ولا منفعة

قوله : باب قوله كشجرة طيبة أصلها ثابت الآية كذا لأبي ذر ، وساق غيره إلى ( حين ) وسقط عندهم " باب قوله " ثم ذكر حديث ابن عمر .

[ ص: 229 ] قوله : ( تشبه أو كالرجل المسلم ) شك من أحد رواته ، وأخرجه الإسماعيلي من الطريق التي أخرجها منها البخاري بلفظ " تشبه الرجل المسلم " ولم يشك ، وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب العلم ، وقد تقدم هناك البيان الواضح بأن المراد بالشجرة في هذه الآية النخلة ، وفيه رد على من زعم أن المراد بها شجرة الجوز الهندي . وقد أخرجه ابن مردويه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف في قوله : تؤتي أكلها كل حين قال : هي شجرة جوز الهند لا تتعطل من ثمرة تحمل كل شهر ، ومعنى قوله : ( طيبة ) أي لذيذة الثمر أو حسنة الشكل أو نافعة ، فتكون طيبة بما يئول إليه نفعها . وقوله : أصلها ثابت أي لا ينقطع ، وقوله : وفرعها في السماء أي هي نهاية في الكمال ، لأنها إذا كانت مرتفعة بعدت عن عفونات الأرض . وللحاكم من حديث أنس " الشجرة الطيبة النخلة والشجرة الخبيثة الحنظلة " .

التالي السابق


الخدمات العلمية