صفحة جزء
باب ولا تخزني يوم يبعثون وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبي ذئب عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام يرى أباه يوم القيامة عليه الغبرة والقترة الغبرة هي القترة

4491 حدثنا إسماعيل حدثنا أخي عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يلقى إبراهيم أباه فيقول يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين
قوله ( سورة الشعراء - بسم الله الرحمن الرحيم ) ثبتت البسملة لأبي ذر مؤخرة .

قوله : ( وقال مجاهد تعبثون : تبنون ) وصله الفريابي عن ورقاء عن ابن أبي نجيح عنه في قوله : أتبنون بكل ريع قال بكل فج . آية تعبثون بنيانا ، وقيل : كانوا يهتدون في الأسفار بالنجوم ، ثم اتخذوا أعلاما في أماكن مرتفعة ليهتدوا بها ، وكانوا في غنية عنها بالنجوم ، فاتخذوا البنيان عبثا .

قوله : ( هضيم : يتفتت إذا مس ) وصله الفريابي بلفظ " يتهشم هشيما " وروى ابن أبي حاتم من وجه آخر عن مجاهد " الطلعة إذا مسستها تناثرت " ومن طريق عكرمة قال : " الهضيم الرطب اللين وقيل المذنب " .

قوله : ( مسحرين : مسحورين ) وصله الفريابي في قوله : إنما أنت من المسحرين أي من المسحورين وقال أبو عبيدة : كل من أكل فهو مسحر ، وذلك أن له سحرا يفري ما أكل فيه انتهى . والسحر بمهملتين بفتح ثم سكون : الرئة . وقال الفراء : المعنى أنك تأكل الطعام والشراب وتسحر به فأنت بشر مثلنا لا تفضلنا في شيء .

قوله : ( في الساجدين المصلين ) وصله الفريابي كذلك ، والمراد أنه كان يرى من خلفه في الصلاة .

قوله : ( الليكة والأيكة جمع أيكة وهي جمع الشجر ) كذا لأبي ذر ، ولغيره : جمع شجر ، وللبعض : جماعة الشجر . وقد تقدم في قصة شعيب من أحاديث الأنبياء اللفظ الأول مع شرحه ، والكلام الأول من قول مجاهد ، ومن قوله : جمع أيكة إلخ هو من كلام أبي عبيدة ، ووقع فيه سهو فإن ليكة والأيكة بمعنى واحد عند الأكثر [ ص: 356 ] والمسهل الهمزة فقط ، وقيل : ليكة اسم القرية والأيكة الغيضة وهي الشجر الملتف ، وأما قوله : جمع شجر يقال : جمعها ليك وهو الشجر الملتف .

قوله : ( يوم الظلة إظلال العذاب إياهم ) وصله الفريابي ، وقد تقدم أيضا في أحاديث الأنبياء .

قوله : ( موزون معلوم ) كذا لهم . ووقع في رواية أبي ذر " قال ابن عباس : لعلكم تخلدون كأنكم . ليكة الأيكة وهي الغيضة . موزون معلوم " فأما قوله : " لعلكم . فوصله ابن أبي طلحة عنه به ، وحكى البغوي في تفسيره عن الواحدي قال : " كل ما في القرآن لعل فهو للتعليل ، إلا هـذا الحرف فإنه للتشبيه " كذا قال : وفي الحصر نظر لأنه قد قيل مثل ذلك في قوله : لعلك باخع نفسك وقد قرأ أبي بن كعب " كأنكم تخلدون . وقرأ ابن مسعود " كي تخلدوا " وكأن المراد أن ذلك بزعمهم لأنهم كانوا يستوثقون من البناء ظنا منهم أنها تحصنهم من أمر الله ، فكأنهم صنعوا الحجر صنيع من يعتقد أنه يخلد ، وأما قوله : " ليكة " فتقدم بيانه في أحاديث الأنبياء ، ووصله ابن أبي حاتم بهذا اللفظ أيضا . وأما قوله : " موزون " فمحله في سورة الحجر ، ووقع ذكره هنا غلطا ، وكأنه انتقل من بعض من نسخ الكتاب من محله ، وقد وصله ابن أبي حاتم أيضا كذلك ، ووصله الفريابي بالإسناد المذكور عن مجاهد في قوله : وأنبتنا فيها من كل شيء موزون قال : بقدر مقدور .

قوله : ( كالطود كالجبل ) وقع هذا لأبي ذر منسوبا إلى ابن عباس ، ولغيره منسوبا إلى مجاهد ، والأول أظهر . ووصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وزاد " على نشز من الأرض " ووصله الفريابي من طريق مجاهد .

قوله : ( وقال غيره لشرذمة : الشرذمة طائفة قليلة ) كذا لأبي ذر ، ولغيره ذكر ذلك فيما نسب إلى مجاهد والأول أولى ، وهو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى : إن هؤلاء لشرذمة قليلون أي طائفة قليلة ، وذهب إلى القوم فقال : قليلون ، والذي أورده الفريابي وغيره عن مجاهد في هذا أنه قال في قوله : إن هؤلاء لشرذمة قليلون قال : هم يومئذ ستمائة ألف ، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون . وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : ذكر لنا أن بني إسرائيل الذين قطع بهم موسى البحر كانوا ستمائة ألف مقاتل بني عشرين سنة فصاعدا ، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عن أبي عبيدة عن ابن مسعود قال : كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا . ومن طريق ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون مثله .

قوله : ( الريع الأيفاع من الأرض وجمعه ريعة وأرياع ، واحده ريعة ) كذا فيه ، وريعة الأول بفتح التحتانية والثاني بسكونها ، وعند جماعة من المفسرين ريع واحد جمعه أرياع ، وريعة بالتحريك وريع أيضا واحده ريعة بالسكون كعهن وعهنة . وقال أبو عبيدة في قوله : أتبنون بكل ريع الريع الارتفاع من الأرض والجمع أرياع وريعة ، والريعة واحدة أرياع . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة في قوله تعالى : بكل ريع أي بكل طريق .

قوله : ( مصانع كل بناء فهو مصنعة ) هو قول أبي عبيدة وزاد : بفتح النون وبضمها . وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة : المصانع القصور والحصون . وقال عبد الرزاق : المصانع عندنا بلغة اليمن القصور العادية . وقال سفيان : ما يتخذ فيه الماء . ولابن أبي حاتم من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : المصانع القصور المشيدة . ومن وجه آخر قال : المصانع بروج الحمام .

[ ص: 357 ] قوله : ( فرهين مرحين ) كذا لهم ، ولأبي ذر " فرحين " بحاء مهملة ، والأول أصح وصوبه بعضهم لقرب مخرج الحاء من الهاء ، وليس بشيء . قال أبو عبيدة في قوله : ( بيوتا فرهين ) أي مرحين . وله تفسير آخر في الذي بعده ، وسيأتي تفسير الفرحين بالمرحين في سورة القصص .

قوله : ( فارهين بمعناه ، ويقال : فارهين حاذقين ) هو كلام أبي عبيدة أيضا وأنشد على المعنى الأول :

لا أستكين إذا ما أزمة أزمت ولن تراني بخير فاره الليث

والليث بكسر اللام بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة : العنق . وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة والكلبي في قوله : ( فرهين ) قال : معجبين بصنيعكم . ولابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة قال : آمنين . ومن طريق مجاهد قال : شرهين . ومن طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح عن عبد الله بن شداد قال أحدهما : حاذقين ، وقال الآخر : جبارين .

قوله : ( تعثوا هو أشد الفساد ، وعاث يعيث عيثا ) مراده أن اللفظين بمعنى واحد ، ولم يرد أن تعثوا مشتق من العيث ، وقد قال أبو عبيدة في قوله : ولا تعثوا في الأرض مفسدين هو من عثيت تعثي ، وهو أشد مبالغة من عثت تعيث . وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة ولا تعثوا أي لا تسيروا في الأرض مفسدين

قوله : ( الجبلة الخلق ، جبل خلق ومنه جبلا وجبلا وجبلا يعني الخلق قاله ابن عباس ) كذا لأبي ذر وليس عند غيره " قال ابن عباس " وهو أولى فإن هذا كله كلام أبي عبيدة ، قال في قوله : والجبلة الأولين أي الخلق ، هو من جبل على كذا أي تخلق . وفي القرآن ولقد أضل منكم جبلا مثقل وغير مثقل ومعناه الخلق انتهى . وقوله مثقل وغير مثقل لم يبين كيفيتهما ، وفيهما قراءات : ففي المشهور بكسرتين وتشديد اللام لنافع وعاصم ، وبضمة ثم سكون لأبي عمرو وابن عامر ، وبكسرتين واللام خفيفة للأعمش ، وبضمتين واللام خفيفة للباقين ، وفي الشواذ بضمتين ثم تشديد ، وبكسرة ثم سكون ، وبكسرة ثم فتحة مخففة ، وفيها قراءات أخرى . وأخرج ابن المنذر من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال في قوله : والجبلة الأولين قال : خلق الأولين ومن طريق مجاهد قال : ( الجبلة ) الخلق ، ولابن أبي حاتم من طريق ابن أبي عمر عن سفيان مثل قول ابن عباس ، ثم قرأ ولقد أضل منكم جبلا كثيرا .

[ ص: 358 ] قوله : باب ولا تخزني يوم يبعثون سقط " باب " لغير أبي ذر .

قوله : ( وقال إبراهيم بن طهمان إلخ ) وصله النسائي عن أحمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان وساق الحديث بتمامه .

قوله : ( عن سعيد المقبري عن أبي هريرة ) كذا قال ابن أبي أويس ، وأورد البخاري هذه الطريق معتمدا عليها وأشار إلى الطريق الأخرى التي زيد فيها بين سعيد وأبي هريرة رجل فذكرها معلقة ، وسعيد قد سمع من أبي هريرة وسمع من أبيه عن أبي هريرة ، فلعل هذا مما سمعه من أبيه عن أبي هريرة ثم سمعه من أبي هريرة ، أو سمعه من أبي هريرة مختصرا ومن أبيه عنه تاما ، أو سمعه من أبي هريرة ثم ثبته فيه أبوه ، وكل ذلك لا يقدح في صحة الحديث ، وقد وجد للحديث أصل عن أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البزار والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة ، وشاهده عندهما أيضا من حديث أبي سعيد .

قوله : ( إن إبراهيم يرى أباه يوم القيامة وعليه الغبرة والقترة . والغبرة هي القترة ) كذا أورده مختصرا ، ولفظ النسائي " وعليه الغبرة والقترة ، فقال له : قد نهيتك عن هذا فعصيتني ، قال : لكن لا أعصيك اليوم " الحديث ، فعرف من هذا أن قوله : والغبرة هي القترة من كلام المصنف ، وأخذه من كلام أبي عبيدة . وأنه قال في تفسير سورة يونس : ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة القتر الغبار ، وأنشد لذلك شاهدين . قال ابن التين : وعلى هذا فقوله في سورة عبس : ( غبرة ترهقها قترة ) تأكيد لفظي ، كأنه قال : غبرة فوقها غبرة . وقال غير هؤلاء : القترة ما يغشى الوجه من الكرب ، والغبرة ما يعلوه من الغبار ، وأحدهما حسي والآخر معنوي . وقيل : القترة شدة الغبرة بحيث يسود الوجه . وقيل : القترة سواد الدخان فاستعير هنا .

قوله : ( حدثنا إسماعيل ) هو ابن أبي أويس ، وأخوه هو أبو بكر بن عبد الحميد .

قوله في الطريق الموصولة ( يلقى إبراهيم أباه فيقول : يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين ) هكذا أورده هنا مختصرا ، وساقه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء تاما .

قوله : ( يلقى إبراهيم أباه آزر ) هذا موافق لظاهر القرآن في تسمية والد إبراهيم ، وقد سبقت نسبته في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء . وحكى الطبري من طريق ضعيفة عن مجاهد أن آزر اسم الصنم وهو شاذ .

قوله : ( وعلى وجه آزر قترة وغبرة ) هذا موافق لظاهر القرآن ووجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة أي يغشاها قترة ، فالذي يظهر أن الغبرة الغبار من التراب ، والقترة السواد الكائن عن الكآبة .

قوله : ( فيقول له إبراهيم : ألم أقل لك لا تعصني ؟ فيقول أبوه : فاليوم لا أعصيك ) في رواية إبراهيم بن طهمان " فقال له قد نهيتك عن هذا فعصيتني ، قال : لكني لا أعصيك واحدة " .

قوله : ( فيقول إبراهيم يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون ، فأي خزي أخزى من أبي الأبعد ) وصف نفسه بالأبعد على طريق الفرض إذا لم تقبل شفاعته في أبيه ، وقيل : الأبعد صفة أبيه أي أنه شديد البعد من رحمة الله لأن الفاسق بعيد منها فالكافر أبعد ، وقيل : الأبعد بمعنى البعيد والمراد الهالك ، ويؤيد الأول أن في رواية إبراهيم بن [ ص: 359 ] طهمان " وإن أخزيت أبي فقد أخزيت الأبعد " وفي رواية أيوب " يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول له : أي ابن كنت لك ؟ فيقول : خير ابن ، فيقول : هل أنت مطيعي اليوم ؟ فيقول : نعم . فيقول خذ بارزتي . فيأخذ بارزته . ثم ينطلق حتى يأتي ربه وهو يعرض الخلق ، فيقول الله : يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت ، فيقول : أي رب أبي معي ، فإنك وعدتني أن لا تخزني " .

قوله : ( فيقول الله : إني حرمت الجنة على الكافرين ) في حديث أبي سعيد " فينادى : إن الجنة لا يدخلها مشرك " .

قوله : ( ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك ؟ انظر ، فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار ) في رواية إبراهيم بن طهمان " فيؤخذ منه فيقول : يا إبراهيم أين أبوك ؟ قال : أنت أخذته مني ، قال : انظر أسفل ، فينظر فإذا ذيخ يتمرغ في نتنه " . وفي رواية أيوب " فيمسخ الله أباه ضبعا " فيأخذ بأنفه فيقول : يا عبدي أبوك هو ، فيقول : لا وعزتك " وفي حديث أبي سعيد " فيحول في صورة قبيحة وريح منتنة في صورة ضبعان " زاد ابن المنذر من هذا الوجه " فإذا رآه كذا تبرأ منه قال : لست أبي " والذيخ بكسر الذال المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم خاء معجمة ذكر الضباع ، وقيل لا يقال له ذيخ إلا إذا كان كثير الشعر . والضبعان لغة في الضبع . وقوله : " متلطخ " قال بعض الشراح : أي في رجيع أو دم أو طين . وقد عينت الرواية الأخرى المراد وأنه الاحتمال الأول حيث قال : فيتمرغ في نتنه . قيل : الحكمة في مسخه لتنفر نفس إبراهيم منه ولئلا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على إبراهيم . وقيل : الحكمة في مسخه ضبعا أن الضبع من أحمق الحيوان ، وآزر كان من أحمق البشر ، لأنه بعد أن ظهر له من ولده من الآيات البينات أصر على الكفر حتى مات . واقتصر في مسخه على هذا الحيوان لأنه وسط في التشويه بالنسبة إلى ما دونه كالكلب والخنزير وإلى ما فوقه كالأسد مثلا ، ولأن إبراهيم بالغ في الخضوع له وخفض الجناح فأبى واستكبر وأصر على الكفر فعومل بصفة الذل يوم القيامة ، ولأن للضبع عوجا فأشير إلى أن آزر لم يستقم فيؤمن بل استمر على عوجه في الدين . وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحته فقال بعد أن أخرجه : هذا خبر في صحته نظر من جهة أن إبراهيم علم أن الله لا يخلف الميعاد ; فكيف يجعل ما صار لأبيه خزيا مع علمه بذلك ؟ وقال غيره : هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه انتهى . والجواب عن ذلك أن أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرأ فيه إبراهيم من أبيه ، فقيل : كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات آزر مشركا ، وهذا أخرجه الطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وإسناده صحيح . وفي رواية : " فلما مات لم يستغفر له " ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه قال : " استغفر له ما كان حيا فلما مات أمسك " وأورده أيضا من طريق مجاهد وقتادة وعمرو بن دينار نحو ذلك ، وقيل إنما تبرأ منه يوم القيامة لما يئس منه حين مسخ على ما صرح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها ، وهذا الذي أخرجه الطبري أيضا من طريق عبد الملك بن أبي سليمان سمعت سعيد بن جبير يقول : إن إبراهيم يقول يوم القيامة : رب والدي ، رب والدي . فإذا كان الثالثة أخذ بيده فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه . ومن طريق عبيد بن عمير قال : يقول إبراهيم لأبيه : إني كنت آمرك في الدنيا وتعصيني ، ولست تاركك اليوم فخذ بحقوي ، فيأخذ بضبعيه فيمسخ ضبعا ، فإذا رآه إبراهيم مسخ تبرأ منه . ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرأ منه لما مات مشركا فترك الاستغفار له ، لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرأفة والرقة فسأل فيه ، فلما رآه مسخ يئس منه حينئذ فتبرأ [ ص: 360 ] منه تبرؤا أبديا وقيل : إن إبراهيم لم يتيقن موته على الكفر بجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك ، وتكون تبرئته منه حينئذ بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث . قال الكرماني : فإن قلت : إذا أدخل الله أباه النار فقد أخزاه لقوله : إنك من تدخل النار فقد أخزيته وخزي الوالد خزي الولد فيلزم الخلف في الوعد وهو محال ، ولو أنه يدخل النار لزم الخلف في الوعيد وهو المراد بقوله : ( إن الله حرم الجنة على الكافرين ) والجواب أنه إذا مسخ في صورة ضبع وألقي في النار لم تبق الصورة التي هي سبب الخزي ، فهو عمل بالوعد والوعيد . وجواب آخر : وهو أن الوعد كان مشروطا بالإيمان ، وإنما استغفر له وفاء بما وعده ، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه . قلت : وما قدمته يؤدي المعنى المراد مع السلامة مما في اللفظ من الشناعة ، والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية