صفحة جزء
باب قوله يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

4532 حدثني إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ونزلت قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله
قوله : ( سورة الزمر - بسم الله الرحمن الرحيم ) سقطت البسملة لغير أبي ذر .

قوله : ( وقال : مجاهد يتقي بوجهه يجر على وجهه في النار ، وهو قوله أفمن يلقى في النار خير أمن يأتي آمنا [ ص: 410 ] يوم القيامة ) وصله تفسيرها الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ " قال : ويقول هي مثل قوله : " أفمن يلقى " إلخ " ومراده بالمثلية أن في كل منهما محذوفا ، وعند الأكثر " يجر " بالجيم وهو الذي في تفسير الفريابي وغيره ، وللأصيلي وحده " يخر " بالخاء المنقوطة من فوق ، وقال : عبد الرزاق أنبأنا ابن عيينة عن بشر بن تميم قال : نزلت في أبي جهل وعمار بن ياسر ، أفمن يلقى في النار أبو جهل خير أمن يأتي آمنا يوم القيامة عمار . وذكر الطبري أنه روي عن ابن عباس بإسناد ضعيف قال : ينطلق به إلى النار مكتوفا ثم يرمى به فيها ، فأول ما يمس وجهه النار وذكر أهل العربية أن " من " في قوله : ( أفمن ) موصولة في محل رفع على الابتداء والخبر محذوف تقديره أهو كمن أمن العذاب .

قوله : ( ذي عوج : لبس ) وصله الفريابي والطبري . أي ليس فيه لبس ، وهو تفسير باللازم لأن الذي فيه لبس يستلزم العوج في المعنى . وأخرج ابن مردويه من وجهين ضعيفين عن ابن عباس في قوله : " غير ذي عوج " قال : ليس بمخلوق .

قوله : ( خولنا أعطينا ) وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد بلفظ وإذا خولناه قال : أعطيناه . وقال : أبو عبيدة : كل مال أعطيته فقد خولته . قال : أبو النجم " كوم الذرى من خول المخول " وقال : زهير " هنالك إن يستخولوا المال يخولوا " .

قوله : والذي جاء بالصدق : القرآن ، وصدق به : المؤمن يجيء به يوم القيامة زاد النسفي " يقول هذا الذي أعطيتني عملت بما فيه " قال : عبد الرزاق عن ابن عيينة عن منصور ، قلت لمجاهد يا أبا الحجاج والذي جاء بالصدق وصدق به قال : هم الذين يأتون بالقرآن فيقول هذا الذي أعطيتمونا قد عملنا بما فيه . ووصله ابن المبارك في " الزهد " عن مسعر عن منصور عن مجاهد في قوله عز وجل والذي جاء بالصدق وصدق به قال : هم الذين يجيئون بالقرآن قد اتبعوه ، أو قال : اتبعوا ما فيه . وأما قتادة فقال : الذي جاء بالصدق النبي . والذي صدق به المؤمنون . أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه . وروى الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : الذي جاء بالصدق لا إله إلا الله ، وصدق به أي صدق بالرسول . ومن طريق السدي : الذي جاء بالصدق جبريل ، والصدق القرآن ، والذي صدق به محمد صلى الله عليه وسلم . ومن طريق أسيد بن صفوان عن علي : الذي جاء بالصدق محمد ، والذي صدق به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه . وهذا أخص من الذي قبله . وعن أبي العالية : الذي جاء بالصدق محمد ، وصدق به أبو بكر .

قوله : ( ورجلا سلما لرجل صالحا ) في رواية الكشميهني " خالصا " ، وسقطت للنسفي هذه اللفظة . زاد غير أبي ذر " مثلا لآلهتهم الباطل والإله الحق " وقد وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ولفظه في قوله رجلا سالما لرجل قال : مثل آلهة الباطل ومثل إله الحق ، وسيأتي تفسير آخر قريبا .

قوله : ويخوفونك بالذين من دونه : بالأوثان سقط هذا لأبي ذر ، وقد وصله الفريابي أيضا عن مجاهد . وقال : عبد الرزاق عن معمر قال : لي رجل " قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - : لتكفن عن شتم آلهتنا أو لنأمرنها فلتخبلنك ، فنزلت : ويخوفونك " .

قوله : ( وقال : غيره متشاكسون : الرجل الشكس العسر لا يرضى بالإنصاف . ورجلا سلما ويقال سالما : [ ص: 411 ] صالحا ) سقط " وقال : غيره " لأبي ذر فصار كأنه من بقايا كلام مجاهد . وللنسفي " وقال : " بغير ذكر الفاعل ، والصواب ما عند الأكثر ، وهو كلام عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال : الشكس : العسر لا يرضى بالإنصاف ، أخرجه الطبري . وعن أبي عبيدة قال : في قوله تعالى : ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون هو من الرجل الشكس ، ورجلا سالما الرجل سالم وسلم واحد وهو من الصلح .

( تنبيه ) : قرأ ابن كثير وأبو عمرو " سالما " والباقون " سلما " بفتح أوله وفي الشواذ بكسره ، وهما مصدران وصف بهما على سبيل المبالغة أو على أنه واقع موقع اسم الفاعل وهو أولى ليوافق الرواية الأخرى ، وعليه قول أبي عبيدة المذكور أنهما واحد أي بمعنى . وقوله الشكس بكسر الكاف ويجوز إسكانها هو السيئ الخلق ، وقيل من كسر الكاف فتح أوله ومن سكنها كسر وهما بمعنى .

قوله : ( اشمأزت : نفرت ) قال : أبو عبيدة في قوله تعالى وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون : تقول العرب اشمأز قلبي عن فلان أي نفر ، وروى الطبري من طريق السدي قال : اشمأزت أي نفرت ، ومن طريق مجاهد قال : انقبضت .

قوله : ( بمفازتهم : من الفوز ) قال : أبو عبيدة في قوله : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم أي بنجاتهم وهو من الفوز ، وروى الطبري من طريق السدي قال : وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم أي : بفضائلهم .

قوله : ( حافين : أطافوا به مطيفين بحفافيه ) بكسر المهملة وفاءين الأولى خفيفة ، وفي رواية المستملي بجانبيه ، وفي رواية كريمة والأصيلي بجوانبه ، وللنسفي بحافته بجوانبه ، والصواب رواية الأكثر ، وهو كلام أبي عبيدة في قوله وترى الملائكة حافين من حول العرش طافوا به بحفافيه ، ورواية المستملي بالمعنى .

قوله : ( متشابها ليس من الاشتباه ولكن يشبه بعضه بعضا في التصديق ) قال : أبو عبيدة في قوله " متشابها " قال : يصدق بعضه بعضا . وروى الطبري من طريق السدي في قوله : كتابا متشابها قال : يشبه بعضه بعضا ، ويدل بعضه على بعض . ومن طريق سعيد بن جبير نحوه . وقوله : مثاني يجوز أن يكون بيانا لقوله متشابها لأن القصص المتكررة تكون متشابهة ، والمثاني جمع مثنى بمعنى مكرر ، لما أعيد فيه من قصص وغيرها

قوله باب قوله : يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله الآية ) ذكر فيه حديث ابن عباس " أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا " .

[ ص: 412 ] قوله : ( أن ابن جريج أخبرهم ، قال : يعلى ) أي : قال : قال : يعلى - و " قال : " تسقط خطا وتثبت لفظا ، ويعلى هذا هو ابن مسلم كما وقع عند مسلم من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج في هذا الحديث بعينه بلفظ " أخبرني مسلم بن يعلى " >[1] وأخرجه أبو داود والنسائي من رواية حجاج هذا لكن وقع عندهما " عن يعلى " غير منسوب كما وقع عند البخاري . وزعم بعض الشراح أنه وقع عند أبي داود فيه " يعلى بن حكيم " ولم أر ذلك في شيء من نسخه ، وليس في البخاري من رواية يعلى بن حكيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سوى حديث واحد وهو من رواية غير ابن جريج عن يعلى والله أعلم . ويعلى بن مسلم بصري الأصل سكن مكة مشهور بالرواية عن سعيد بن جبير وبرواية ابن جبير عنه ، وقد روى يعلى بن حكيم أيضا عن سعيد بن جبير وروى عنه ابن جريج ، ولكن ليس هو المراد هنا .

قوله : ( لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة ) في رواية الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس أن السائل عن ذلك هو وحشي بن حرب قاتل حمزة وأنه لما قال : ذلك نزلت إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا الآية فقال : هذا شرط شديد ، فنزلت : " قل يا عبادي " الآية . وروى ابن إسحاق في " السيرة " قال : حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر قال : " اتعدت أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أن نهاجر إلى المدينة " فذكر الحديث في قصتهم ورجوع رفيقه فنزلت قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية قال : فكتبت بها إلى هشام .

قوله : ونزل قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم في رواية الطبراني فقال : الناس يا رسول الله إنا أصبنا ما أصاب وحشي ، فقال : هي للمسلمين عامة وروى أحمد والطبراني في " الأوسط " من حديث ثوبان قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما أحب أن لي بهذه الآية الدنيا وما فيها يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم الآية . فقال : رجل : ومن أشرك ؟ فسكت ساعة ثم قال : ومن أشرك - ثلاث مرات - واستدل بعموم هذه الآية على غفران جميع الذنوب كبيرها وصغيرها سواء تعلقت بحق الآدميين أم لا ، والمشهور عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة ، وأنها تغفر لمن شاء الله ولو مات على غير توبة ، لكن حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شيء من ذلك تنفعه التوبة من العود ، وأما خصوص ما وقع منه فلا بد له من رده لصاحبه أو محاللته منه . نعم في سعة فضل الله ما يمكن أن يعرض صاحب الحق عن حقه ولا يعذب العاصي بذلك ، ويرشد إليه عموم قوله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية