صفحة جزء
باب قوله فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا تواب على العباد والتواب من الناس التائب من الذنب

4686 حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر فكأن بعضهم وجد في نفسه فقال لم تدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله فقال عمر إنه من قد علمتم فدعاه ذات يوم فأدخله معهم فما رئيت أنه دعاني يومئذ إلا ليريهم قال ما تقولون في قول الله تعالى إذا جاء نصر الله والفتح فقال بعضهم أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا وسكت بعضهم فلم يقل شيئا فقال لي أكذاك تقول يا ابن عباس فقلت لا قال فما تقول قلت هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلمه له قال إذا جاء نصر الله والفتح وذلك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا فقال عمر ما أعلم منها إلا ما تقول
[ ص: 607 ] قوله : ( باب قوله فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا تواب على العباد . والتواب من الناس التائب من الذنب ) هو كلام الفراء في موضعين .

قوله : ( كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر ) أي من شهد بدرا من المهاجرين والأنصار ، وكانت عادة عمر إذا جلس للناس أن يدخلوا عليه على قدر منازلهم في السابقة ، وكان ربما أدخل مع أهل المدينة من ليس منهم إذا كان فيه مزية تجبر ما فاته من ذلك .

قوله : ( فكأن بعضهم وجد ) أي غضب ولفظ " وجد " الماضي يستعمل بالاشتراك بمعنى الغضب والحب والغنى واللقاء ، سواء كان الذي يلقى ضالة أو مطلوبا أو إنسانا أو غير ذلك .

قوله : ( لم تدخل هذا معنا ، ولنا أبناء مثله ) ؟ ولابن سعد من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن سعيد بن جبير " كان أناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس " وفي تاريخ محمد بن عثمان بن أبي شيبة من طريق عاصم بن كليب عن أبيه نحوه وزاد " وكان عمر أمره أن لا يتكلم حتى يتكلموا ، فسألهم عن شيء فلم يجيبوا . وأجابه ابن عباس ، فقال عمر : أعجزتم أن تكونوا مثل هذا الغلام ؟ ثم قال : إني كنت نهيتك أن تتكلم فتكلم الآن معهم . وهذا القائل الذي عبر عنه هنا بقوله " بعضهم " هو عبد الرحمن بن عوف الزهري أحد العشرة كما وقع مصرحا به عند المصنف في علامات النبوة من طريق شعبة عن أبي بشر بهذا الإسناد " كان عمر يدني ابن عباس ، فقال له عبد الرحمن بن عوف : إن لنا أبناء مثله " وأراد بقوله مثله أي في مثل سنه ، لا في مثل فضله وقرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن لا أعرف لعبد الرحمن بن عوف ولدا في مثل سن ابن عباس ، فإن أكبر أولاده محمد وبه كان يكنى ، لكنه مات صغيرا وأدرك عمر من أولاده إبراهيم بن عبد الرحمن ، ويقال إنه ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنه إن كان كذلك لم يدرك من الحياة النبوية إلا سنة أو سنتين . لأن أباه تزوج أمه بعد فتح مكة فهو أصغر من ابن عباس بأكثر من عشر سنين ، فلعله أراد بالمثلية غير السن ، أو أراد بقوله " لنا " من كان له ولد في مثل سن ابن عباس من البدريين إذ ذاك غير المتكلم .

قوله : ( فقال عمر : إنه من حيث علمتم ) في غزوة الفتح من هذا الوجه بلفظ : " إنه ممن علمتم " وفي رواية شعبة " إنه من حيث نعلم " وأشار بذلك إلى قرابته من النبي - صلى الله عليه وسلم - أو إلى معرفته وفطنته ، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال : " قال المهاجرون لعمر : ألا تدعو أبناءنا كما تدعوا ابن عباس ؟ قال : ذاكم فتى الكهول ، إن له لسانا سئولا وقلبا عقولا " وأخرج الخرائطي في " مكارم الأخلاق " من طريق الشعبي ، والزبير بن بكار من طريق عطاء بن يسار قالا " قال العباس لابنه : إن هذا الرجل - يعني عمر - يدنيك ، فلا تفشين له سرا ، ولا تغتابن عنده أحدا ، ولا يسمع منك كذبا " وفي رواية عطاء بدل الثالثة ، ولا تبتدئه بشيء حتى يسألك عنه .

قوله : ( فدعا ذات يوم فأدخله معهم ) في رواية للكشميهني " فدعاه " وفي غزوة الفتح " فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم " .

[ ص: 608 ] قوله : ( فما رئيت ) بضم الراء وكسر الهمزة ، وفي غزوة الفتح من رواية المستملي " فما أريته " بتقديم الهمزة والمعنى واحد .

قوله : ( إلا ليريهم ) زاد في غزوة الفتح " مني " أي مثل ما رآه هو مني من العلم ، وفي رواية ابن سعد فقال : " أما إني سأريكم اليوم منه ما تعرفون به فضله " .

قوله : ( ما تقولون في قول الله تعالى : إذا جاء نصر الله والفتح ) في غزوة الفتح " حتى ختم السورة " .

قوله : ( إذا جاء نصرنا وفتح علينا ) في رواية الباب الذي قبله " قالوا فتح المدائن والقصور " .

قوله : ( وسكت بعضهم فلم يقل شيئا ) في غزوة الفتح " وقال بعضهم لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئا " .

قوله : ( قال لي أكذاك تقول يا ابن عباس ؟ قلت : لا . قال : فما تقول ) ؟ في رواية ابن سعد " فقال عمر يا ابن عباس ألا تتكلم ؟ فقال : أعلمه متى يموت ، قال : إذا جاء " .

قوله : إذا جاء نصر الله والفتح زاد في غزوة الفتح " فتح مكة " .

قوله : ( وذلك علامة أجلك ) في رواية ابن سعد " فهو آيتك في الموت " وفي الباب الذي قبله " أجل أو مثل ضرب لمحمد ، نعيت إليه نفسه ، ووهم عطاء بن السائب فروى هذا الحديث عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : نعيت إلي نفسي أخرجه ابن مردويه من طريقه ، والصواب رواية حبيب بن أبي ثابت التي في الباب الذي قبله بلفظ " نعيت إليه نفسه " وللطبراني من طريق عكرمة عن ابن عباس قال : " لما نزلت إذا جاء نصر الله والفتح نعيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نفسه ، فأخذ بأشد ما كان قط اجتهادا في أمر الآخرة " ، ولأحمد من طريق أبي رزين عن ابن عباس قال : " لما نزلت علم أن نعيت إليه نفسه " ، ولأبي يعلى من حديث ابن عمر " نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق في حجة الوداع ، فعرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه الوداع " . وسئلت عن قول الكشاف : إن سورة النصر نزلت في حجة الوداع أيام التشريق ، فكيف صدرت بإذا الدالة على الاستقبال ؟ فأجبت بضعف ما نقله ، وعلى تقدير صحته فالشرط لم يتكمل بالفتح ، لأن مجيء الناس أفواجا لم يكن كمل ، فبقية الشرط مستقبل . وقد أورد الطيبي السؤال وأجاب بجوابين : أحدهما : أن " إذا " قد ترد بمعنى " إذ " كما في قوله تعالى وإذا رأوا تجارة الآية . ثانيهما : أن كلام الله قديم ، وفي كل من الجوابين نظر لا يخفى .

قوله : ( إلا ما تقول ) في غزوة الفتح " إلا ما تعلم " زاد أحمد وسعيد بن منصور في روايتهما عن هشيم عن أبي بشر في هذا الحديث في آخره " فقال عمر : كيف تلومونني على حب ما ترون " ووقع في رواية ابن سعد أنه سألهم حينئذ عن ليلة القدر ، وذكر جواب ابن عباس واستنباطه وتصويب عمر قوله ، وقد تقدمت لابن عباس مع عمر قصة أخرى في أواخر سورة البقرة ، لكن أجابوا فيها بقولهم : الله أعلم ، فقال عمر : قولوا نعلم أو لا نعلم ، فقال ابن عباس : في نفسي منها شيء ، الحديث . وفيه فضيلة ظاهرة لابن عباس وتأثير لإجابة دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين ، كما تقدم في كتاب العلم . وفيه جواز تحديث المرء عن نفسه بمثل هذا لإظهار نعمة الله عليه ، وإعلام من لا يعرف قدره لينزله منزلته ، وغير ذلك من المقاصد الصالحة ، لا للمفاخرة والمباهاة . وفيه جواز تأويل القرآن بما يفهم من الإشارات ، وإنما يتمكن من ذلك من [ ص: 609 ] رسخت قدمه في العلم ، ولهذا قال علي - رضي الله تعالى عنه - : أو فهما يؤتيه الله رجلا في القرآن .

التالي السابق


الخدمات العلمية