صفحة جزء
باب الشغار

4822 حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق
قوله ( باب الشغار ) بمعجمتين مكسور الأول .

[ ص: 67 ] قوله ( نهى عن الشغار ) في رواية ابن وهب عن مالك " نهى عن نكاح الشغار ، ذكره ابن عبد البر ، وهو مراد من حذفه .

قوله ( والشغار أن يزوج الرجل ابنته إلخ ) قال ابن عبد البر : ذكر تفسير الشغار جميع رواة مالك عنه . قلت : ولا يرد على إطلاقه أن أبا داود أخرجه عن القعنبي فلم يذكر التفسير ، وكذا أخرجه الترمذي من طريق معن بن عيسى لأنهما اختصرا ذلك في تصنيفهما ، وإلا فقد أخرجه النسائي من طريق معن بالتفسير ، وكذا أخرجه الخطيب في " المدرج " من طريق القعنبي . نعم اختلف الرواة عن مالك فيمن ينسب إليه تفسير الشغار ، فالأكثر لم ينسبوه لأحد ، ولهذا قال الشافعي فيما حكاه البيهقي في " المعرفة " : لا أدري التفسير عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر أو عن نافع أو عن مالك ، ونسبه محرز بن عون وغيره لمالك . قال الخطيب : تفسير الشغار ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وإنما هـو قول مالك وصل بالمتن المرفوع ، وقد بين ذلك ابن مهدي والقعنبي ومحرز بن عون ، ثم ساقه كذلك عنهم ، ورواية محرز بن عون عند الإسماعيلي والدارقطني في " الموطآت " وأخرجه الدارقطني أيضا من طريق خالد بن مخلد عن مالك قال : سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل إلخ ، وهذا دال على أن التفسير من منقول مالك لا من مقوله .

ووقع عند المصنف - كما سيأتي في كتاب ترك الحيل - من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث تفسير الشغار من قول نافع ولفظه " قال عبيد الله بن عمر قلت لنافع : ما الشغار ؟ فذكره " فلعل مالكا أيضا نقله عن نافع ، وقال أبو الوليد الباجي : الظاهر أنه من جملة الحديث ، وعليه يحمل حتى يتبين أنه من قول الراوي وهو نافع . قلت : قد تبين ذلك ، ولكن لا يلزم من كونه لم يرفعه أن لا يكون في نفس الأمر مرفوعا ، فقد ثبت ذلك من غير روايته ، فعند مسلم من رواية أبي أسامة وابن نمير عن عبيد الله بن عمر أيضا عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة مثله سواء ، قال : وزاد ابن نمير " والشغار أن يقول الرجل للرجل زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي وزوجني أختك وأزوجك أختي " وهذا يحتمل أن يكون من كلام عبيد الله بن عمر فيرجع إلى نافع ، ويحتمل أن يكون تلقاه عن أبي الزناد ، ويؤيد الاحتمال الثاني وروده في حديث أنس وجابر وغيرهما أيضا ، فأخرج عبد الرزاق عن معمر عن ثابت وأبان عن أنس مرفوعا " لا شغار في الإسلام ، والشغار أن يزوج الرجل الرجل أخته بأخته "

وروى البيهقي من طريق نافع بن يزيد عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا " نهي عن الشغار ، والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق ، بضع هذه صداق هذه وبضع هذه صداق هذه ، وأخرج أبو الشيخ في كتاب النكاح من حديث أبي ريحانة " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المشاغرة ، والمشاغرة أن يقول زوج هذا من هذه وهذه من هذا بلا مهر " قال القرطبي : تفسير الشغار صحيح موافق لما ذكره أهل اللغة فإن كان مرفوعا فهو المقصود ، وإن كان من قول الصحابي فمقبول أيضا لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال اهــ . وقد اختلف الفقهاء هل يعتبر في الشغار الممنوع ظاهر الحديث في تفسيره ، فإن فيه وصفين أحدهما تزويج من الوليين وليته للآخر بشرط أن يزوجه وليته ، والثاني خلو بضع كل منهما من الصداق ، فمنهم من اعتبرهما معا حتى لا يمنع مثلا إذا زوج كل منهما [ ص: 68 ] الآخر بغير شرط وإن لم يذكر الصداق ، أو زوج كل منهما الآخر بالشرط وذكر الصداق . وذهب أكثر الشافعية إلى أن علة النهي الاشتراك في البضع لأن بضع كل منهما يصير مورد العقد ، وجعل البضع صداقا مخالف لا يراد عقد النكاح ، وليس المقتضي للبطلان ترك ذكر الصداق لأن النكاح يصح بدون تسمية الصداق . واختلفوا فيما إذا لم يصرحا بذكر البضع فالأصح عندهم الصحة ، ولكن وجد نص الشافعي على خلافه ولفظه : إذا زوج الرجل ابنته أو المرأة يلي أمرها من كانت لآخر على أن صداق كل واحدة بضع الأخرى أو على أن ينكحه الأخرى ولم يسم أحد منهما لواحدة منهما صداقا فهذا الشغار الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منسوخ ، هكذا ساقه البيهقي بإسناده الصحيح عن الشافعي ، قال : وهو الموافق للتفسير المنقول في الحديث ، واختلف نص الشافعي فيما إذا سمى مع ذلك مهرا فنص في " الإملاء " على البطلان ، وظاهر نصه في " المختصر " الصحة ، وعلى ذلك اقتصر في النقل عن الشافعي من ينقل الخلاف من أهل المذاهب ، وقال القفال : العلة في البطلان التعليق والتوقيف ، فكأنه يقول لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح بنتك .

وقال الخطابي : كان ابن أبي هريرة يشبه برجل تزوج امرأة ويستثني عضوا من أعضائها وهو مما لا خلاف في فساده ، وتقرير ذلك أنه يزوج وليته ويستثني بضعها حيث يجعله صداقا للأخرى . وقال الغزالي في " الوسيط " : صورته الكاملة أن يقول زوجتك ابنتي على أن تزوجني ابنتك على أن يكون بضع كل واحدة منهما صداقا للأخرى ، ومهما انعقد نكاح ابنتي انعقد نكاح ابنتك . قال شيخنا في " شرح الترمذي " ينبغي أن يزاد : ولا يكون مع البضع شيء آخر ليكون متفقا على تحريمه في المذهب . ونقل الخرقي أن أحمد نص على أن علة البطلان ترك ذكر المهر ، ورجح ابن تيمية في " المحرر " أن العلة التشريك في البضع ، وقال ابن دقيق العيد : ما نص عليه أحمد هو ظاهر التفسير المذكور في الحديث لقوله فيه ولا صداق بينهما ، فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك ، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ذكر لملازمته لجهة الفساد ، ثم قال : وعلى الجملة ففيه شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي ، ويؤيده حديث أبي ريحانة الذي تقدم ذكره .

وقال ابن عبد البر : أجمع العلماء على أن نكاح الشغار لا يجوز ، ولكن اختلفوا في صحته فالجمهور على البطلان ، وفي رواية عن مالك يفسخ قبل الدخول لا بعده ، وحكاه ابن المنذر عن الأوزاعي . وذهب الحنفية إلى صحته ووجوب مهر المثل ، وهو قول الزهري ومكحول والثوري والليث ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور ، وهو قول على مذهب الشافعي ، لاختلاف الجهة . لكن قال الشافعي : إن النساء محرمات إلا ما أحل الله أو ملك يمين ، فإذا ورد النهي عن نكاح تأكد التحريم

( تنبيه ) :

ذكر البنت في تفسير الشغار مثال ، وقد تقدم في رواية أخرى ذكر الأخت ، قال النووي : أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن كالبنات في ذلك ، والله أعلم

التالي السابق


الخدمات العلمية