صفحة جزء
572 وحدثنا عثمان وأبو بكر ابنا أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم جميعا عن جرير قال عثمان حدثنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن علقمة قال قال عبد الله صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم زاد أو نقص فلما سلم قيل له يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء قال وما ذاك قالوا صليت كذا وكذا قال فثنى رجليه واستقبل القبلة فسجد سجدتين ثم سلم ثم أقبل علينا بوجهه فقال إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين حدثناه أبو كريب حدثنا ابن بشر قال ح وحدثني محمد بن حاتم حدثنا وكيع كلاهما عن مسعر عن منصور بهذا الإسناد وفي رواية ابن بشر فلينظر أحرى ذلك للصواب وفي رواية وكيع فليتحر الصواب وحدثناه عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي أخبرنا يحيى بن حسان حدثنا وهيب بن خالد حدثنا منصور بهذا الإسناد وقال منصور فلينظر أحرى ذلك للصواب حدثناه إسحق بن إبراهيم أخبرنا عبيد بن سعيد الأموي حدثنا سفيان عن منصور بهذا الإسناد وقال فليتحر الصواب حدثناه محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن منصور بهذا الإسناد وقال فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب حدثناه يحيى بن يحيى أخبرنا فضيل بن عياض عن منصور بهذا الإسناد وقال فليتحر الذي يرى أنه الصواب حدثناه ابن أبي عمر حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد عن منصور بإسناد هؤلاء وقال فليتحر الصواب
قوله في إسناد حديث ابن مسعود : ( حدثنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ) إلى آخره هذا الإسناد كله كوفيون إلا إسحاق بن راهويه رفيق ابني أبي شيبة .

قوله : ( فسجد سجدتين ثم سلم ) دليل لمن قال : يسلم إذا سجد للسهو بعد السلام ، وقد سبق بيان الخلاف فيه .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به ) فيه : أنه لا يؤخر البيان وقت الحاجة .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني فيه : دليل على جواز النسيان عليه - صلى الله عليه وسلم - في أحكام الشرع ، وهو مذهب جمهور العلماء ، وهو ظاهر القرآن والحديث ، اتفقوا على أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقر عليه ، بل يعلمه الله تعالى به ، ثم قال الأكثرون شرطه تنبهه - صلى الله عليه وسلم - على الفور متصلا بالحادثة ، ولا يقع فيه تأخير ، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته - صلى الله عليه وسلم - ، واختاره إمام الحرمين ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأفعال البلاغية والعبادات ، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأقوال البلاغية ، وأجابوا عن الظواهر الواردة في ذلك ، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، والصحيح الأول ؛ فإن السهو لا يناقض النبوة ، وإذا لم يقر عليه لم يحصل منه مفسدة ، بل تحصل فيه فائدة ؛ وهو بيان أحكام الناسي وتقرير الأحكام . قال القاضي : واختلفوا في جواز السهو عليه - صلى الله عليه وسلم - في الأمور التي لا تتعلق بالبلاغ وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه ، فجوزه الجمهور ، وأما السهو في الأقوال البلاغية : فأجمعوا على منعه كما أجمعوا على امتناع تعمده ، وأما السهو في الأقوال الدنيوية ، وفيما ليس سبيله البلاغ من الكلام الذي لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي فجوزه قوم إذ لا مفسدة فيه .

قال القاضي - رحمه الله تعالى - : [ ص: 221 ] والحق الذي لا شك فيه ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار ، كما لا يجوز عليهم خلف في خبر لا عمدا ولا سهوا ، لا في صحة ولا في مرض ، ولا رضاء ولا غضب ، وحسبك في ذلك أن سيرة نبينا - صلى الله عليه وسلم - وكلامه وأفعاله مجموعة معتنى بها على مر الزمان ، يتداولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب ، فلم يأت في شيء منها استدراك غلط في قول ، ولا اعتراف بوهم في كلمة ، ولو كان لنقل كما نقل سهوه في الصلاة ونومه عنها ، واستدراكه رأيه في تلقيح النخل ، وفي نزوله بأدنى مياه بدر ، وقوله - صلى الله عليه وسلم - : والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا فعلت الذي هو خير وكفرت عن يميني وغير ذلك . وأما جواز السهو في الاعتقادات في أمور الدنيا فغير ممتنع والله أعلم . قوله - صلى الله عليه وسلم - : فإذا نسيت فذكروني فيه : أمر التابع بتذكير المتبوع بما ينساه .

قوله - صلى الله عليه وسلم - : وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين وفي رواية : فلينظر أحرى ذلك للصواب ، وفي رواية : فليتحر أقرب ذلك إلى الصواب ، وفي رواية : فليتحر الذي يرى أنه الصواب . فيه دليل لأبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وموافقيه من أهل الكوفة وغيرهم من أهل الرأي على أن من شك في صلاته في عدد ركعات تحرى وبنى على غالب ظنه ، ولا يلزمه الاقتصار على الأقل والإتيان بالزيادة وظاهر هذا الحديث - حجة لهم . ثم اختلف هؤلاء فقال أبو حنيفة ومالك - رحمهما الله تعالى - في طائفة : هذا لمن اعتراه الشك مرة بعد أخرى ، وأما غيره فيبني على اليقين . وقال آخرون : هو على عمومه ، وذهب الشافعي والجمهور إلى أنه إذا شك هل صلى ثلاثا أم أربعا مثلا لزمه البناء على اليقين وهو الأقل ، فيأتي بما بقي ويسجد للسهو ، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي سعيد رضي الله عنه : فليطرح الشك وليبن على ما استيقن ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن [ ص: 222 ] كان صلى خمسا شفعن له صلاته ، وإن كان صلى إتماما لأربع كانتا ترغيما للشيطان . وهذا صريح في وجوب البناء على اليقين ، وحملوا التحري في حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - على الأخذ باليقين . قالوا : والتحري هو القصد ، ومنه قول الله تعالى : تحروا رشدا فمعنى الحديث : فليقصد الصواب فليعمل به ، وقصد الصواب هو ما بينه في حديث أبي سعيد وغيره ، فإن قالت الحنفية : حديث أبي سعيد لا يخالف ما قلناه ؛ لأنه ورد في الشك وهو ما استوى طرفاه ، ومن شك ولم يترجح له أحد الطرفين بنى على الأقل بالإجماع ، بخلاف من غلب على ظنه أنه صلى أربعا مثلا ، فالجواب : أن تفسير الشك بمستوى الطرفين إنما هو اصطلاح طارئ للأصوليين ، وأما في اللغة فالتردد بين وجود الشيء وعدمه كله يسمى شكا سواء المستوي والراجح والمرجوح ، والحديث يحمل على اللغة ما لم يكن هناك حقيقة شرعية أو عرفية ، ولا يجوز حمله على ما يطرأ للمتأخرين من الاصطلاح . والله أعلم .

التالي السابق


الخدمات العلمية