صفحة جزء
باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء

71 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن صالح بن كيسان عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن زيد بن خالد الجهني قال صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية في إثر السماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم قالوا الله ورسوله أعلم قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب
قوله : ( صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل فلما انصرف قال : " هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب ، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ) أما ( الحديبية ) ففيها لغتان : تخفيف الياء وتشديدها . والتخفيف هو الصحيح المشهور المختار وهو قول الشافعي ، وأهل اللغة ، وبعض المحدثين . والتشديد قول الكسائي وابن وهب ، وجماهير المحدثين . واختلافهم في ( الجعرانة ) كذلك في تشديد الراء وتخفيفها ، والمختار فيها أيضا التخفيف .

وقوله ( على إثر سماء ) هو بكسر الهمزة وإسكان الثاء وبفتحهما جميعا لغتان مشهورتان ، والسماء المطر .

وأما معنى الحديث فاختلف العلماء في كفر من قال : ( مطرنا بنوء كذا ) على قولين : أحدهما : هو كفر بالله سبحانه وتعالى سالب لأصل الإيمان مخرج من ملة الإسلام . قالوا : وهذا فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر ، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم ، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره . وهذا القول هو الذي ذهب إليه جماهير العلماء ، والشافعي منهم وهو ظاهر الحديث ، قالوا : وعلى هذا لو قال : مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من [ ص: 246 ] الله تعالى وبرحمته ، وأن النوء ميقات له وعلامة اعتبارا بالعادة فكأنه قال : مطرنا في وقت كذا ، فهذا لا يكفر . واختلفوا في كراهته والأظهر كراهته لكنها كراهة تنزيه لا إثم فيها . وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره ، فيساء الظن بصاحبها ، ولأنها شعار الجاهلية ، ومن سلك مسلكهم .

والقول الثاني في أصل تأويل الحديث : أن المراد كفر نعمة الله تعالى لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب ، وهذا فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب . ويؤيد هذا التأويل الرواية الأخيرة في الباب : أصبح من الناس شاكر وكافر وفي الرواية الأخرى : ما أنعمت على عبادي من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين وفي الرواية الأخرى : ما أنزل الله تعالى من السماء من بركة إلا أصبح فريق من الناس بها كافرين فقوله : ( بها ) يدل على أنه كفر بالنعمة . والله أعلم .

وأما ( النوء ) ففيه كلام طويل قد لخصه الشيخ أبو عمرو بن الصلاح - رحمه الله - ، فقال : النوء في أصله ليس هو نفس الكوكب فإنه مصدر ناء النجم ينوء نوءا أي سقط ، وغاب . وقيل : أي نهض وطلع . وبيان ذلك أن ثمانية وعشرين نجما معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها وهي المعروفة بمنازل القمر الثمانية والعشرين . يسقط في كل ثلاث عشرة ليلة منها نجم في المغرب مع طلوع الفجر ويطلع آخر يقابله في المشرق من ساعته . وكان أهل الجاهلية إذا كان عند ذلك مطر ينسبونه إلى الساقط الغارب منهما . وقال الأصمعي : إلى الطالع منهما . قال أبو عبيد : ولم أسمع أحدا ينسب النوء للسقوط إلا في هذا الموضع . ثم إن النجم نفسه قد يسمى نوءا تسمية للفاعل بالمصدر . قال أبو إسحاق الزجاج في بعض أماليه : الساقطة في الغرب هي الأنواء والطالعة في المشرق هي البوارج . والله أعلم .

وأما قوله في رواية ابن عباس - رضي الله عنهما : ( مطر الناس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال [ ص: 247 ] النبي - صلى الله عليه وسلم - : " أصبح من الناس شاكر ومنهم كافر ، قالوا هذه رحمة الله ، وقال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا " . قال : فنزلت هذه الآية : فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) فقال الشيخ أبو عمرو - رحمه الله - : ليس مراده أن جميع هذا نزل في قولهم في الأنواء فإن الأمر في ذلك وتفسيره يأبى ذلك ، وإنما النازل في ذلك قوله تعالى : وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون والباقي نزل في غير ذلك ، ولكن اجتمعا في وقت النزول ، فذكر الجميع من أجل ذلك ، قال الشيخ أبو عمرو - رحمه الله - : ومما يدل على هذا أن في بعض الروايات عن ابن عباس - رضي الله عنه - ما في ذلك الاقتصار على هذا القدر اليسير فحسب . هذا آخر كلام الشيخ - رحمه الله - .

وأما تفسير الآية فقيل : تجعلون رزقكم أي شكركم كذا قاله ابن عباس والأكثرون . وقيل : تجعلون شكر رزقكم . قاله الأزهري وأبو علي الفارسي . وقال الحسن : أي تجعلون حظكم .

وأما مواقع النجوم فقال الأكثرون : المراد نجوم السماء . ومواقعها مغاربها . وقيل : مطالعها . وقيل : انكدارها وقيل : يوم القيامة . وقيل : النجوم نجوم القرآن وهي أوقات نزوله . وقال مجاهد : مواقع النجوم محكم القرآن . والله أعلم .

وأما ما يتعلق بالأسانيد ففيه عمرو بن سواد بتشديد الواو آخره دال .

وفيه ( أبو يونس ) مولى أبي هريرة واسمه ( سليم بن جبير ) بضم أولهما .

وفيه عباس بن عبد العظيم العنبري هو بالسين المهملة ، والعنبري بالعين المهملة والنون بعدها موحدة ، قال القاضي : وضبطه العذري الغبري بالغين المعجمة وهو تصحيف بلا شك ، وفيه أبو زميل بضم الزاي وفتح الميم واسمه سماك بن الوليد الحنفي اليمامي ، قال ابن عبد البر : أجمعوا على أنه ثقة ، والله أعلم .

وأما قول مسلم - رحمه الله - : ( حدثني محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث ) قال مسلم - رحمه الله - : ( وحدثني عمرو بن سواد أخبرنا عبد الله بن وهب أخبرنا عمرو بن [ ص: 248 ] الحارث أن أبا يونس مولى أبي هريرة حدثه عن أبي هريرة ) فهذا الإسناد كله بصريون إلا أبا هريرة فمدني ، وإنما أتى مسلم بعبد الله بن وهب ، وعمرو بن الحارث أولا ثم أعادهما ولم يقتصر على قوله حدثنا محمد ، وعمرو بن سواد لاختلاف لفظ الروايات كما ترى . وقد نبهنا على مثل هذا التدقيق والاحتياط لمسلم - رحمه الله - في مواضع . والله أعلم بالصواب .

التالي السابق


الخدمات العلمية