1. الرئيسية
  2. شرح النووي على مسلم
  3. كتاب الزكاة
  4. باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين
صفحة جزء
باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين

998 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن إسحق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحب أمواله إليه بيرحى وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب قال أنس فلما نزلت هذه الآية لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله يقول في كتابه لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وإن أحب أموالي إلي بيرحى وإنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث شئت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح قد سمعت ما قلت فيها وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه
[ ص: 70 ] قوله : ( وكان أحب أمواله إليه بيرحاء ) اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه : قال القاضي رحمه الله : روينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع كسر الباء ، وبفتح الباء والراء ، قال الباجي : قرأت هذه اللفظة على أبي ذر البروي بفتح الراء على كل حال قال : وعليه أدركت أهل العلم والحفظ بالمشرق وقال لي الصوري : هي بالفتح ، واتفقا على أن من رفع الراء وألزمها حكم الإعراب فقد أخطأ . قال : وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس ، وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد ، وذكر مسلم رواية حماد بن سلمة هذا الحرف ( بريحاء ) بفتح الباء وكسر الراء ، وكذا سمعناه من أبي بجر عن العذري والسمرقندي ، وكان عند ابن سعيد عن البحري من رواية حماد ( بيرحاء ) بكسر الباء وفتح الراء ، وضبطه الحميدي من رواية حماد ( بيرحاء ) بفتح الباء والراء ، ووقع في كتاب أبي داود : جعلت أرضي ( باريحا لله ) . وأكثر رواياتهم في هذا الحرف بالقصر ، ورويناه عن بعض شيوخنا بالوجهين ، وبالمد وجدته بخط الأصيلي ، وهو حائط يسمى بهذا الاسم ، وليس اسم بئر والحديث يدل عليه . والله أعلم . هذا آخر كلام القاضي .

قوله : ( قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله تعالى يقول في كتابه ) إلى آخره . فيه دلالة للمذهب الصحيح وقول الجمهور أنه يجوز أن يقال : إن الله يقول ، كما يقال : إن الله قال . وقال مطرف بن عبد الله بن شخير التابعي لا يقال : الله يقول ، وإنما يقال : قال الله ، أو الله قال ، ولا يستعمل مضارعا . وهذا غلط والصواب جوازه ، وقد قال الله تعالى : والله يقول الحق وهو يهدي السبيل وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة باستعمال ذلك ، وقد أشرت إلى طرف منها في كتاب الأذكار ، وكأن من كرهه ظن أنه يقتضي استئناف القول ، وقول الله تعالى قديم ، وهذا ظن عجيب ، فإن المعنى مفهوم ولا لبس فيه ، وفي هذا الحديث استحباب الإنفاق مما يحب ، ومشاورة أهل العلم والفضل في كيفية الصدقات ووجوه الطاعات وغيرها .

[ ص: 71 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( بخ ذلك مال رابح ذلك مال رابح ) قال أهل اللغة : يقال : ( بخ ) بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة ، وحكى القاضي الكسر بلا تنوين ، وحكى الأحمر التشديد فيه . قال القاضي : وروي بالرفع فإذا كررت فالاختيار تحريك الأول منونا ، وإسكان الثاني قال ابن دريد : معناه تعظيم الأمر وتفخيمه ، وسكنت الخاء فيه كسكون اللام في هل وبل . ومن قال : ( بخ ) بكسره منونا شبهه بالأصوات كصه ومه ، قال ابن السكيت : بخ بخ . وبه به بمعنى واحد ، وقال الداودي : بخ كلمة تقال إذا حمد الفعل ، وقال غيره : تقال عند الإعجاب . وأما قوله صلى الله عليه وسلم : مال رابح . فضبطناه هنا بوجهين بالياء المثناة وبالموحدة ، وقال القاضي : روايتنا فيه في كتاب مسلم : بالموحدة ، واختلفت الرواة فيه عن مالك في البخاري والموطأ وغيرهما ، فمن رواه بالموحدة فمعناه ظاهر ، ومن رواه ( رايح ) بالمثناة فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الآخرة .

وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما سبق من أن الصدقة على الأقارب أفضل من الأجانب إذا كانوا محتاجين .

وفيه أن القرابة يرعى حقها في صلة الأرحام وإن لم يجتمعوا إلا في أب بعيد ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا طلحة أن يجعل صدقته في الأقربين فجعلها في أبي بن كعب وحسان بن ثابت ، وإنما يجتمعان معه في الجد السابع .

التالي السابق


الخدمات العلمية