صفحة جزء
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الطلاق باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر برجعتها

1471 حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال قرأت على مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأل عمر بن الخطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلق لها النساء
[ ص: 48 ] [ ص: 49 ] كتاب الطلاق

هو مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك ومنه طلقت البلاد أي تركتها ويقال طلقت المرأة وطلقت بفتح اللام وضمها والفتح أفصح تطلق بضمها فيهما .

أجمعت الأمة على تحريم طلاق الحائض الحائل بغير رضاها فلو طلقها أثم ووقع طلاقه ويؤمر بالرجعة لحديث ابن عمر المذكور في الباب ، وشذ بعض أهل الظاهر ، فقال : لا يقع طلاقه لأنه غير مأذون له فيه فأشبه طلاق الأجنبية . والصواب الأول ، وبه قال العلماء كافة ودليلهم أمره بمراجعتها ولو لم يقع لم تكن رجعة . فإن قيل المراد بالرجعة الرجعة اللغوية وهي الرد إلى حالها الأول لا أنه تحسب عليه طلقة قلنا هذا غلط لوجهين : أحدهما أن حمل اللفظ على الحقيقة الشرعية يقدم على حمله على الحقيقة اللغوية كما تقرر في أصول الفقه ، الثاني أن ابن عمر صرح في روايات مسلم وغيره بأنه حسبها عليه طلقة ، والله أعلم .

وأجمعوا على أنه إذا طلقها يؤمر برجعتها كما ذكرنا وهذه الرجعة مستحبة لا واجبة ، هذا مذهبنا وبه قال الأوزاعي وأبو حنيفة وسائر الكوفيين وأحمد وفقهاء المحدثين وآخرون ، وقال مالك وأصحابه : هي واجبة . فإن قيل ففي حديث ابن عمر هذا أنه أمر بالرجعة ثم بتأخير الطلاق إلى طهر بعد الطهر الذي يلي هذا الحيض فما فائدة التأخير ؟ فالجواب من أربعة أوجه : أحدها لئلا تصير الرجعة لغرض الطلاق فوجب أن يمسكها زمانا كان يحل له فيه الطلاق وإنما أمسكها لتظهر فائدة [ ص: 50 ] الرجعة وهذا جواب أصحابنا ، والثاني عقوبة له وتوبة من معصية باستدراك جنايته ، والثالث أن الطهر الأول مع الحيض الذي يليه وهو الذي طلق فيه كقرء واحد فلو طلقها في أول طهر لكان كمن طلق في الحيض ، والرابع أنه نهي عن طلاقها في الطهر ليطول مقامه معها فلعله يجامعها فيذهب ما في نفسه من سبب طلاقها فيمسكها ، والله أعلم .

قوله صلى الله عليه وسلم : مره فليراجعها ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء يعني قبل أن يمس أي قبل أن يطأها ، ففيه تحريم الطلاق في طهر جامعها فيه . قال أصحابنا : يحرم طلاقها في طهر جامعها فيه حتى يتبين حملها لئلا تكون حاملا فيندم ، فإذا بان الحمل دخل بعد ذلك في طلاقها على بصيرة فلا يندم فلا تحرم ولو كانت الحائض حاملا فالصحيح عندنا هو نص الشافعي أنه لا يحرم طلاقها ، لأن تحريم الطلاق في الحيض إنما كان لتطويل العدة لكونه لا يحسب قرءا . وأما الحامل الحائض فعدتها بوضع الحمل فلا يحصل في حقها تطويل .

وفي قوله صلى الله عليه وسلم : إن شاء أمسك وإن شاء طلق دليل على أنه لا إثم في الطلاق بغير سبب لكن يكره للحديث المشهور في سنن أبي داود وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، فيكون حديث ابن عمر لبيان أنه ليس بحرام وهذا الحديث لبيان كراهة التنزيه .

قال أصحابنا الطلاق أربعة أقسام : حرام ومكروه وواجب ومندوب ، ولا يكون مباحا مستوي الطرفين .

فأما الواجب ففي صورتين وهما في الحكمين إذا بعثهما القاضي عند الشقاق بين الزوجين ورأيا المصلحة في الطلاق وجب عليهما الطلاق ; وفي المولي إذا مضت عليه [ ص: 51 ] أربعة أشهر وطالبت المرأة بحقها فامتنع من الفيئة والطلاق فالأصح عندنا أنه يجب على القاضي أن يطلق عليه طلقة رجعية .

وأما المكروه فأن يكون الحال بينهما مستقيما فيطلق بلا سبب وعليه يحمل حديث أبغض الحلال إلى الله الطلاق .

وأما الحرام ففي ثلاث صور أحدها في الحيض بلا عوض منها ولا سؤالها ; والثاني في طهر جامعها فيه قبل بيان الحمل ; والثالث إذا كان عنده زوجات يقسم لهن وطلق واحدة قبل أن يوفيها قسمها .

وأما المندوب فهو ألا تكون المرأة عفيفة أو يخافا أو أحدهما ألا يقيما حدود الله أو نحو ذلك ، والله أعلم .

وأما جمع الطلقات الثلاثة دفعة فليس بحرام عندنا ، لكن الأولى تفريقها ، وبه قال أحمد و أبو ثور . وقال مالك والأوزاعي وأبو حنيفة والليث : هو بدعة قال الخطابي : في قوله صلى الله عليه وسلم : مره فليراجعها دليل على أن الرجعة لا تفتقر إلى رضا المرأة ولا وليها ولا تجديد عقد ، والله أعلم .

قوله صلى الله عليه وسلم : فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء فيه دليل لمذهب الشافعي ومالك وموافقيهما أن الأقراء في العدة هي الأطهار لأنه صلى الله عليه وسلم قال : ليطلقها في الطهر إن شاء فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء أي فيها ، ومعلوم أن الله لم يأمر بطلاقهن في الحيض ، بل حرمه ، فإن قيل : الضمير في قوله : ( فتلك ) يعود إلى الحيضة . قلنا : هذا غلط لأن الطلاق في الحيض غير مأمور به بل محرم ، وإنما الضمير عائد إلى الحالة المذكورة وهي حالة الطهر أو إلى العدة .

وأجمع العلماء من أهل الفقه والأصول واللغة على أن ( القرء ) يطلق في اللغة على الحيض وعلى الطهر واختلفوا في الأقراء المذكورة في قوله تعالى : والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء وفيما تنقضي به العدة ، فقال مالك والشافعي وآخرون : هي الأطهار . وقال أبو حنيفة والأوزاعي وآخرون : هي الحيض . وهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم ، وبه قال الثوري وزفر وإسحاق وآخرون من السلف ، وهو أصح الروايتين عن أحمد . قالوا : لأن من قال بالأطهار يجعلها قرأين وبعض الثالث ، وظاهر القرآن أنها ثلاثة .

والقائل بالحيض يشترط ثلاثة حيضات كوامل فهو أقرب إلى موافقة القرآن ، ولهذا الاعتراض صار ابن شهاب الزهري إلى أن الأقراء هي الأطهار ، قال : ولكن لا تنقضي العدة إلا بثلاثة أطهار كاملة ولا تنقضي بطهرين وبعض الثالث . وهذا مذهب انفرد به بل اتفق القائلون بالأطهار على أنها بقرأين وبعض الثالث ، حتى لو طلقها وقد بقي من الطهر لحظة يسيرة حسب ذلك قرءا ، ويكفيها طهران بعده . وأجابوا عن الاعتراض بأن الشيئين وبعض الثالث يطلق عليها اسم : الجميع ، قال الله تعالى : الحج أشهر معلومات ومعلوم أنه شهران وبعض الثالث ، وكذا قوله تعالى : فمن تعجل في يومين المراد في يوم وبعض الثاني .

واختلف القائلون بالأطهار : متى تنقضي عدتها ؟ فالأصح عندنا أنه بمجرد رؤية الدم بعد [ ص: 52 ] الطهر الثالث ، وفي قول : لا تنقضي حتى يمضي يوم وليلة . والخلاف في مذهب مالك كهو عندنا .

واختلف القائلون بالحيض أيضا فقال أبو حنيفة وأصحابه : حتى تغتسل من الحيضة الثالثة أو يذهب وقت صلاة . وقال عمر وعلي وابن مسعود والثوري وزفر وإسحاق وأبو عبيد : حتى تغتسل من الثالثة . وقال الأوزاعي وآخرون : تنقضي بنفس انقطاع الدم . وعن إسحاق رواية ، أنه إذا انقطع الدم انقطعت الرجعة ، ولكن لا تحل للأزواج حتى تغتسل احتياطا وخروجا من الخلاف ، والله أعلم .

قوله : ( قال مسلم : جود الليث في قوله تطليقة واحدة ) يعني أنه حفظ وأتقن قدر الطلاق الذي لم يتقنه غيره ، ولم يهمله كما أهمله غيره ، ولا غلط فيه وجعله ثلاثا كما غلط فيه غيره .

وقد تظاهرت روايات مسلم بأنها طلقة واحدة .

قوله صلى الله عليه وسلم : ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا فيه دلالة لجواز طلاق الحامل التي تبين حملها وهو مذهب الشافعي ، قال ابن المنذر : وبه قال أكثر العلماء منهم طاوس والحسن وابن سيرين وربيعة وحماد بن أبي سليمان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد ، قال ابن المنذر : وبه أقول . وبه قال بعض المالكية ، وقال بعضهم : هو حرام . وحكى ابن المنذر رواية أخرى عن الحسن أنه قال : طلاق الحامل مكروه ، ثم مذهب الشافعي ومن وافقه أنه له أن يطلق الحامل ثلاثا بلفظ واحد ، وبألفاظ متصلة ، وفي أوقات متفرقة . وكل ذلك جائز لا بدعة فيه . وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : يجعل بين الطلقتين شهرا . وقال مالك وزفر ومحمد بن الحسن لا يوقع عليها أكثر من واحدة حتى تضع .

[ ص: 53 ] قوله : ( أما أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني بهذا وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك ) أما قوله : أمرني بهذا ، فمعناه أمرني بالرجعة وأما قوله : أما أنت ، فقال القاضي عياض رضي الله عنه : هذا مشكل . قال : قيل : إنه بفتح الهمزة من ( أما ) أي أما إن كنت ، فحذفوا الفعل الذي يلي ( أن ) وجعلوا ( ما ) عوضا من الفعل ، وفتحوا ( أن ) وأدغموا النون في ( ما ) وجاءوا بأنت مكان العلامة في ( كنت ) ويدل عليه قوله بعده : ( وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك ) .

[ ص: 54 ] قوله : ( لقيت أبا غلاب يونس بن جبير ) هو بفتح الغين المعجمة وتشديد اللام وآخره باء موحدة هكذا ضبطناه وكذا ذكره ابن ماكولا والجمهور وذكر القاضي عن بعض الرواة تخفيف اللام .

قوله : ( وكان ذا ثبت ) هو بفتح الثاء والباء أي مثبتا .

قوله : ( قلت أفحسبت عليه قال فمه أو أن عجز واستحمق ) معناه أفيرتفع عنه الطلاق وإن عجز واستحمق وهو استفهام إنكار ، وتقديره نعم تحسب ولا يمتنع احتسابها لعجزه وحماقته .

قال : القاضي : أي إن عجز عن الرجعة وفعل فعل الأحمق . والقائل لهذا الكلام هو ابن عمر صاحب القصة ، وأعاد الضمير بلفظ الغيبة وقد بينه بعد هذه في رواية أنس بن سيرين . قال : قلت - يعني لابن عمر - فاعتددت بتلك التطليقة التي طلقت وهي حائض . قال : ما لي لا أعتد بها وإن كنت عجزت واستحمقت ؟ وجاء في غير مسلم أن ابن عمر قال : أرأيت إن كان ابن عمر عجز واستحمق فما يمنعه أن يكون طلاقا ؟

التالي السابق


الخدمات العلمية