صفحة جزء
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان باب الصيد بالكلاب المعلمة

1929 حدثنا إسحق بن إبراهيم الحنظلي أخبرنا جرير عن منصور عن إبراهيم عن همام بن الحارث عن عدي بن حاتم قال قلت يا رسول الله إني أرسل الكلاب المعلمة فيمسكن علي وأذكر اسم الله عليه فقال إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله عليه فكل قلت وإن قتلن قال وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها قلت له فإني أرمي بالمعراض الصيد فأصيب فقال إذا رميت بالمعراض فخزق فكله وإن أصابه بعرضه فلا تأكله
[ ص: 65 ] قوله : ( إني أرسل كلابي المعلمة . . . إلى آخره ) مع الأحاديث المذكورة في الاصطياد فيها كلها إباحة الاصطياد ، وقد أجمع المسلمون عليه ، وتظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة والإجماع . قال القاضي عياض : هو مباح لمن اصطاد للاكتساب والحاجة والانتفاع به بالأكل وثمنه ، قال : واختلفوا فيمن اصطاد للهو ، ولكن قصد تذكيته والانتفاع به ، فكرهه مالك ، وأجازه الليث وابن عبد الحكم ، قال : فإن فعله بغير نية التذكية فهو حرام ؛ لأنه فساد في الأرض وإتلاف نفس عبثا . قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله فكل ، قلت : وإن قتلن ؟ قال : وإن قتلن ما لم يشركها كلب ليس معها ) ، وفي رواية : ( فإنما سميت على كلبك ، ولم تسم على غيره ) في هذا الأمر بالتسمية على إرسال الصيد ، وقد أجمع المسلمون على التسمية عند الإرسال على الصيد وعند الذبح والنحر ، واختلفوا في أن ذلك واجب أم سنة ، فمذهب الشافعي وطائفة أنها سنة ، فلو تركها سهوا أو عمدا حل الصيد والذبيحة ، وهي رواية عن مالك وأحمد ، وقال أهل الظاهر : إن تركها عمدا أو سهوا لم يحل ، وهو الصحيح عن أحمد في صيد الجوارح ، وهو مروي عن ابن سيرين وأبي ثور ، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري وجماهير العلماء : إن تركها سهوا حلت الذبيحة والصيد ، وإن تركها عمدا فلا ، [ ص: 66 ] وعلى مذهب أصحابنا يكره تركها ، وقيل : لا يكره ، بل هو خلاف الأولى ، والصحيح الكراهة . واحتج من أوجبها بقوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وبهذه الأحاديث . واحتج أصحابنا بقوله تعالى : حرمت عليكم الميتة إلى قوله إلا ما ذكيتم فأباح بالتذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها ، فإن قيل : التذكية لا تكون إلا بالتسمية ، قلنا : هي في اللغة الشق والفتح ، وبقوله تعالى : وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وهم لا يسمون ، وبحديث عائشة أنهم قالوا : يا رسول الله إن قوما حديث عهدهم بالجاهلية يأتونا بلحمان ، لا ندري أذكروا اسم الله أم لم يذكروا فنأكل منها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سموا وكلوا " رواه البخاري ، فهذه التسمية هي المأمور بها عند أكل كل طعام ، وشرب كل شراب ، وأجابوا عن قوله تعالى : ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه أن المراد ما ذبح للأصنام ، كما قال تعالى في الآية الأخرى : وما ذبح على النصب وما أهل به لغير الله ولأن الله تعالى قال : وإنه لفسق . وقد أجمع المسلمون على من أكل متروك التسمية ليس بفاسق ، فوجب حملها على ما ذكرناه ؛ ليجمع بينها وبين الآيات السابقات ، وحديث عائشة .

وحملها بعض أصحابنا على كراهة التنزيه ، وأجابوا عن الأحاديث في التسمية أنها للاستحباب .

[ ص: 67 ] قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) في إطلاقه دليل لإباحة الصيد بجميع الكلاب المعلمة من الأسود وغيره ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء ، وقال الحسن البصري والنخعي وقتادة وأحمد وإسحاق : لا يحل صيد الكلب الأسود لأنه شيطان .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( إذا أرسلت كلبك المعلم ) فيه : أنه يشترط في حل ما قتله الكلب المرسل كونه كلبا معلما ، وأنه يشترط الإرسال ، فلو أرسل غير معلم أو استرسل المعلم بلا إرسال ، لم يحل ما قتله ، فأما غير المعلم فمجمع عليه ، وأما المعلم إذا استرسل فلا يحل ما قتله عندنا وعند العلماء كافة ، إلا ما حكي عن الأصم من إباحته ، وإلا ما حكاه ابن المنذر عن عطاء والأوزاعي أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما لم يشركها كلب ليس معها ) فيه تصريح بأنه لا يحل إذا شاركه كلب آخر ، والمراد كلب آخر استرسل بنفسه ، أو أرسله من ليس هو من أهل الذكاة ، أو شككنا في ذلك ، فلا يحل أكله في [ ص: 68 ] كل هذه الصور ، فإن تحققنا أنه إنما شاركه كلب أرسله من هو من أهل الذكاة على ذلك الصيد حل .

قوله : ( قلت : إني أرمي بالمعراض الصيد ، فأصيب ، فقال : إذا رميت بالمعراض فخزق فكله ، وإن أصابه بعرضه فلا تأكله ) ، وفي الرواية الأخرى : ( ما أصاب بحده فكل ، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ فلا تأكل ) . ( المعراض ) بكسر الميم وبالعين المهملة ، وهي : خشبة ثقيلة ، أو عصا في طرفها حديدة ، وقد تكون بغير حديدة ، هذا هو الصحيح في تفسيره ، وقال الهروي : هو سهم لا ريش فيه ولا نصل ، وقال ابن دريد : هو سهم طويل له أربع قذذ رقاق ، فإذا رمى به اعترض ، وقال الخليل كقول الهروي ، ونحوه عن الأصمعي ، وقيل : هو عود رقيق الطرفين غليظ الوسط إذا رمي به ذهب مستويا . وأما ( خزق ) فهو بالخاء المعجمة والزاي ، ومعناه نفذ ، والوقذ والموقوذ هو الذي يقتل بغير محدد من عصا أو حجر وغيرهما . ومذهب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد والجماهير : أنه إذا اصطاد بالمعراض فقتل الصيد بحده حل ، وإن قتله بعرضه لم يحل لهذا الحديث .

وقال مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء الشام : يحل مطلقا ، وكذا قال هؤلاء وابن أبي ليلى أنه يحل ما قتله بالبندقة ، وحكي أيضا عن سعيد بن المسيب ، وقال الجماهير : لا يحل صيد البندقة مطلقا : لحديث المعراض ؛ لأنه كله رض ووقذ ، وهو معنى الرواية الأخرى فإنه وقيذ أي مقتول بغير محدد ، والموقوذة المقتولة بالعصا ونحوها ، وأصله من الكسر والرض .

التالي السابق


الخدمات العلمية