صفحة جزء
باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين

2658 حدثنا حاجب بن الوليد حدثنا محمد بن حرب عن الزبيدي عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه كان يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول أبو هريرة واقرءوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله الآية حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الأعلى ح وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق كلاهما عن معمر عن الزهري بهذا الإسناد وقال كما تنتج البهيمة بهيمة ولم يذكر جمعاء
قوله صلى الله عليه وسلم : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ، هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة : اقرءوا إن شئتم : فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله الآية وفي رواية : ما من مولود يولد إلا وهو على الملة [ ص: 158 ] وفي رواية ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه قالوا : يا رسول الله ، أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال : الله أعلم بما كانوا عاملين وفي رواية : إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ، ولو عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا وفي حديث عائشة : توفي صبي من الأنصار ، فقالت : طوبى له ، عصفور من عصافير الجنة ، لم يعمل السوء ، ولم يدركه . قال : أو غير ذلك يا عائشة إن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم ، وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم . أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من أطفال المسلمين فهو من أهل الجنة ; لأنه ليس مكلفا . وتوقف فيه بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا ، وأجاب العلماء بأنه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع ، كما أنكر على سعد بن أبي وقاص في قوله : أعطه إني لأراه مؤمنا ، قال : " أو مسلما " الحديث . ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة ، فلما علم قال ذلك في قوله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم وغير ذلك من الأحاديث . والله أعلم .

وأما أطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب . قال الأكثرون : هم في النار تبعا لآبائهم . وتوقفت طائفة فيهم . والثالث ، وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ، ويستدل له بأشياء منها حديث إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة ، وحوله أولاد الناس قالوا : يا رسول الله ، وأولاد المشركين ؟ قال : " وأولاد المشركين " رواه البخاري في صحيحه . ومنها قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولا يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ ، وهذا متفق عليه . والله أعلم .

وأما الفطرة المذكورة في هذه الأحاديث فقال المازري : قيل : هي ما أخذ عليه . في أصلاب آبائهم ، وأن الولادة تقع عليها حتى يحصل التغير بالأبوين . وقيل : هي ما قضي عليه من سعادة أو شقاوة يصير إليها . وقيل : هي ما هيئ له هذا كلام المازري . وقال أبو عبيد : سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث ، فقال : كان هذا في أول الإسلام قبل أن تنزل الفرائض ، وقبل الأمر بالجهاد . وقال أبو عبيد كأنه يعني أنه لو كان يولد على الفطرة ، ثم مات قبل أن يهوده أبواه أو ينصرانه لم يرثهما ، ولم يرثاه ، لأنه مسلم ، وهما كافران ، ولما جاز أن يسيء فلما فرضت الفرائض ، وتقررت السنن على خلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما . وقال ابن المبارك : يولد على ما يصير إليه من سعادة أو شقاوة فمن علم الله تعالى أنه يصير مسلما ولد على فطرة الإسلام ، ومن علم أنه يصير كافرا ولد على الكفر . وقيل : معناه كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والإقرار به ، فليس أحد يولد إلا وهو يقر بأن له صانعا ، وإن سماه بغير اسمه ، أو عبد معه غيره والأصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئا للإسلام ، فمن كان أبواه أو أحدهما مسلما استمر على الإسلام في أحكام الآخرة والدنيا ، وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في أحكام الدنيا ، وهذا معنى ( يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) ، أي يحكم له [ ص: 159 ] بحكمهما ما في الدنيا . فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما ، فإن كانت سبقت له سعادة أسلم ، وإلا مات على كفره . وإن مات قبل بلوغه فهل هو من أهل الجنة أم النار أم يتوقف فيه ؟ ففيه المذاهب الثلاثة السابقة قريبا . الأصح أنه من أهل الجنة . والجواب عن حديث الله أعلم بما كانوا عاملين أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار ، وحقيقة لفظه : الله أعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا ولم يبلغوا إذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ . وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعا لأن أبويه كانا مؤمنين ، فيكون هو مسلما ، فيتأول على أن معناه أن الله أعلم أنه لو بلغ لكان كافرا ، لا أنه كافر في الحال ، ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار . والله أعلم .

وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( كما تنتج البهيمة بهيمة ) فهو بضم التاء الأولى ، وفتح الثانية ، ورفع البهيمة ، ونصب بهيمة . ومعناه كما تلد البهيمة بهيمة ( جمعاء ) بالمد أي مجتمعة الأعضاء سليمة من نقص ، لا توجد فيها جدعاء بالمد ، وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الأعضاء . ومعناه أن البهيمة تلد البهيمة كاملة الأعضاء لا نقص فيها ، وإنما يحدث فيها الجدع والنقص بعد ولادتها .

التالي السابق


الخدمات العلمية