صفحة جزء
باب ما جاء في الرقى

3885 حدثنا أحمد بن صالح وابن السرح قال أحمد حدثنا ابن وهب و قال ابن السرح أخبرنا ابن وهب حدثنا داود بن عبد الرحمن عن عمرو بن يحيى عن يوسف بن محمد وقال ابن صالح محمد بن يوسف بن ثابت بن قيس بن شماس عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على ثابت بن قيس قال أحمد وهو مريض فقال اكشف البأس رب الناس عن ثابت بن قيس بن شماس ثم أخذ ترابا من بطحان فجعله في قدح ثم نفث عليه بماء وصبه عليه قال أبو داود قال ابن السرح يوسف بن محمد وهو الصواب
قال في المصباح : رقيته أرقيه من باب رمى رقيا عوذته بالله والاسم الرقيا على وزن فعلى والمرة رقية والجمع رقى مثل مدية ومدى انتهى . قال الشيخ عبد الحق الدهلوي : الرقى جمع رقية وهي العوذة وبالفارسية أفسون وقيل : ما يقرأ من الدعاء لطلب الشفاء وهي جائزة بالقرآن والأسماء الإلهية وما في معناها بالاتفاق وبما عداها حرام لا سيما بما لا يفهم معناه انتهى .

( قال أحمد ) : ابن صالح في روايته ( وهو ) أي : ثابت بن قيس بن شماس ( ثم أخذ ) النبي - صلى الله عليه وسلم - ( من بطحان ) بفتح الباء وسكون الطاء اسم وادي المدينة ، والبطحانيون منسوبون إليه وأكثرهم يضمون الباء ولعله الأصح كذا في النهاية ( فجعله ) أي : التراب ( في قدح ) بفتحتين آنية معروفة والجمع أقداح مثل : سبب وأسباب ( ثم نفث عليه ) أي : على التراب ( بماء ) قال في المصباح : نفثه من فيه نفثا من باب ضرب رمى به ونفث إذا بزق ومنه من يقول إذا بزق ولا ريق معه ونفث في العقدة عند الرقي وهو البصاق اليسير انتهى .

[ ص: 296 ] وفي لسان العرب النفث أقل من التفل ؛ لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق والنفث شبيه بالنفخ وقيل : هو التفل بعينه نفث الراقي ( وصبه ) أي : وصب ذلك التراب المخلوط بالماء ( عليه ) أي : ثابت بن قيس والمعنى أي : جعل الماء في فيه ثم رمى بالماء على التراب ثم صب ذلك التراب المخلوط بالماء على ثابت بن قيس وإنما جعل الماء أولا في فيه ليخالط الماء بريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن الماء نفث أي : رمي على التراب من غير إدخاله في فيه فيكون المعنى أي : رش الماء على التراب ثم صب ذلك الطين المخلوط بالماء على ثابت بن قيس ويؤيد المعنى الأول ما أخرجه الشيخان عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتكى الإنسان أو كانت به قرحة قال بأصبعه هكذا ووضع سفيان - أي : أحد رواته - سبابته بالأرض ثم رفعها وقال : بسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى سقيمنا بإذن ربنا .

قال الحافظ ابن القيم : هذا من العلاج السهل الميسر النافع المركب وهي معالجة لطيفة يعالج بها القروح والجراحات الطرية لا سيما عند عدم غيرها من الأدوية إذ كانت موجودة بكل أرض وقد علم أن طبيعة التراب الخالص باردة يابسة مجففة لرطوبات الجروح والجراحات التي تمنع الطبيعة من جودة فعلها وسرعة اندمالها لا سيما في البلاد الحارة وأصحاب الأمزجة الحارة فإن القروح والجراحات يتبعها في أكثر الأمر سوء مزاج حار فيجتمع حرارة البلد والمزاج والجراح وطبيعة التراب الخالص باردة يابسة أشد من برودة جميع الأدوية المفردة الباردة فيقابل برودة التراب حرارة المرض لا سيما إن كان التراب قد غسل وجفف ويتبعها أيضا كثرة الرطوبات الردية والسيلان .

والتراب مجفف لها مزيل لشدة يبسه وتجفيفه للرطوبة الردية المانعة من بردها ويحصل به مع ذلك تعديل مزاج العضو العليل ومتى اعتدل مزاج العضو قويت قواه المدبرة ودفعت عنه الألم بإذن الله ومعنى حديث عائشة أنه يأخذ من ريق نفسه على أصبعه السبابة ثم يضعها على التراب فيعلق بها منه شيء فيمسح به على الجرح ويقول هذا الكلام لما فيه من بركة ذكر اسم الله وتفويض الأمر إليه والتوكل عليه فينضم أحد العلاجين إلى الآخر فيقوى التأثير وهل المراد بقوله : تربة أرضنا جميع الأرض أو أرض المدينة خاصة؟ فيه [ ص: 297 ] قولان ولا ريب أن من التربة ما يكون فيه خاصية ينفع بها من أدواء كثيرة ويشفي بها أسقاما ردية قال جالينوس : رأيت بالإسكندرية مطحولين ومستسقين كثيرا يستعملون طين مصر ويطلون به على سوقهم وأفخاذهم وسواعدهم وظهورهم وأضلاعهم فينتفعون به منفعة بينة .

قال : وعلى هذا النحو قد يقع هذا الطلاء للأورام العفنة والمترهلة الرخوة قال : وإني لأعرف قوما ترهلت أبدانهم كلها من كثرة استفراغ الدم من أسفل انتفعوا بهذا الطين نفعا بينا وقوما آخرين شفوا به أوجاعا مزمنة كانت متمكنة في بعض الأعضاء تمكنا شديدا فبرأت وذهبت أصلا وقال صاحب الكتاب المسيحي : قوة الطين المحلوب من كبوس وهي حريرة المصطكى قوة يجلو ويغسل وينبت اللحم في القروح انتهى .

وإذا كان هذا في هذه التربات فما الظن بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها وقد خالطت ريق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقاربت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه انتهى .

قال المنذري : وأخرجه النسائي مسندا ومرسلا والصواب يوسف بن محمد انتهى .

التالي السابق


الخدمات العلمية