صفحة جزء
[ ص: 664 ] سنة مائة من الهجرة النبوية

قال الإمام أحمد : حدثنا علي بن حفص ، أنبأ ورقاء ، عن منصور ، عن المنهال بن عمرو ، عن نعيم بن دجاجة قال : دخل أبو مسعود على علي فقال : أنت القائل : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يأتي على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ؟ إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يأتي على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ممن هو حي وإن رخاء هذه الأمة بعد المائة . تفرد به أحمد .

وفي رواية لابنه عبد الله أن عليا قال له : يا فروخ ، أنت القائل : لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف؟ أخطأت استك الحفرة ، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يأتي على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو اليوم حي وإنما رخاء هذه الأمة وفرجها بعد المائة . تفرد به .

وهكذا جاء في " الصحيحين " عن ابن عمر : فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك ، وإنما أراد انخرام قرنه .

وفيها خرجت خارجة من الحرورية بالعراق ، فبعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز [ ص: 665 ] إلى عبد الحميد نائب الكوفة يأمره بأن يدعوهم إلى الحق ، ويتلطف بهم ، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض ، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشا فكسرهم الحرورية ، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه ، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم ، فأظفره الله بهم ، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج وكان يقال له : بسطام يقول له : ما أخرجك علي؟ فإن كنت خرجت غضبا لله فأنا أحق بذلك منك ، ولست أولى بذلك مني ، وهلم أناظرك; فإن رأيت حقا اتبعته ، وإن أبديت حقا نظرنا فيه .

فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين فسألهما : ماذا تنقمون؟ فقالا : جعلك يزيد بن عبد الملك من بعدك . فقال : إني لم أجعله أبدا ، وإنما جعله غيري . قالا : فكيف ترضى به أمينا للأمة من بعدك؟ فقال : أنظرني ثلاثة . فيقال : إن بني أمية دست إليه سما فقتلوه; خشية أن يخرج الأمر من أيديهم ، ويمنعهم الأموال . والله أعلم .

وفي هذه السنة غزا عمر بن الوليد بن هشام المعيطي ، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص الصائفة .

وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الجزيرة ، فسار إليها .

وفيها حمل يزيد بن المهلب إلى عمر بن عبد العزيز من العراق; أرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة وقد كان أظهر الامتناع مع موسى بن وجيه ، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته ، ويقول : هؤلاء جبابرة ولا [ ص: 666 ] أحب مثلهم .

فلما دخل على عمر طالبه بما قبله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده ، فقال إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك ، ولم يكن بيني وبين سليمان شيء ، وقد عرفت مكانتي عنده . فقال له عمر : لا أسمع منك هذا ، ولست أطلقك حتى تؤدي أموال المسلمين . وأمر بسجنه .

وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي عوضه وقدم ولد يزيد بن المهلب مخلد بن يزيد فقال : يا أمير المؤمنين إن الله عز وجل قد من على هذه الأمة بولايتك عليها فلا نكونن أشقى الناس بك ، فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم بما تصالحني عنه؟ فقال عمر : لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه . فقال : يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة عليه بما تقول وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه . فقال : لا آخذ منه إلا جميع ما عنده ، فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر ، فلم يلبث أن مات مخلد ، فكان عمر يقول : هو خير من أبيه .

ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلب جبة من صوف ، ويركب على بعير ويذهبوا إلى جزيرة دهلك التي كان ينفى إليها الفساق ، فشفعوا فيه ، فرده إلى السجن ، فلم يزل به حتى مرض عمر مرضه الذي مات فيه ، فهرب [ ص: 667 ] من السجن وهو مريض ، وعلم أنه يموت في مرضه ذلك ، وبذلك كتب إليه ، كما سيأتي ، وأظنه كان عالما أن عمر قد سقي سما .

وفي هذه السنة ، في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان بعد سنة وخمسة أشهر; وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول : أنتم إنما تسلمون فرارا منها . فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية .

فكتب إليه عمر : إن الله إنما بعث محمدا صلى الله عليه وسلم داعيا ولم يبعثه جابيا . وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج .

وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ويبين لهم الحق ، ويوضحه لهم ، ويعظهم فيما بينه وبينهم ويخوفهم بأس الله وانتقامه فكان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري :

أما بعد ، فكن عبدا لله ناصحا لله في عباده ، ولا تأخذك في الله لومة لائم ، فإن الله أولى بك من الناس وحقه عليك أعظم ، ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم ، والتوفير عليهم ، وأداء الأمانة فيما استرعي ، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق; فإن الله لا تخفى عليه خافية ولا تذهبن عن الله مذهبا; فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه . وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال .

[ ص: 668 ] وقال البخاري في " صحيحه " : وكتب عمر إلى عدي بن عدي : إن للإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا ، من استكملها استكمل الإيمان ، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان ، فإن أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها ، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص .

التالي السابق


الخدمات العلمية