صفحة جزء
[ ص: 107 ] قصة سبأ

قال الله تعالى لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنينفقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور . [ سبأ : 15 - 19 ]

قال علماء النسب منهم محمد بن إسحاق : اسم سبأ ; عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، قالوا : وكان أول من سبى في العرب فسمي سبأ لذلك وكان يقال له : الرائش ; لأنه كان يعطي الناس الأموال من متاعه . قال السهيلي : ويقال : إنه أول من تتوج . وذكر بعضهم أنه كان مسلما وكان له شعر بشر فيه بوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك قوله


سيملك بعدنا ملكا عظيما نبي لا يرخص في الحرام [ ص: 108 ]     ويملك بعده منهم ملوك يدينون العباد بغير ذام
ويملك بعدهم منا ملوك     يصير الملك فينا باقتسام
ويملك بعد قحطان نبي تقي خبتة خير الأنام     يسمى أحمدا يا ليت أني
أعمر بعد مبعثه بعام     فأعضده وأحبوه بنصري بكل
مدجج وبكل رام     متى يظهر فكونوا ناصريه
ومن يلقاه يبلغه سلامي

حكاه ابن دحية في كتابه " التنوير في مولد البشير النذير " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة السبائي عن عبد الرحمن بن وعلة سمعت عبد الله بن العباس يقول : إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبأ ما هو ؟ أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال : بل هو رجل ولد عشرة ; فسكن اليمن منهم ستة ، وبالشام منهم أربعة فأما اليمانيون ; فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير ، وأما الشامية ; فلخم وجذام وعاملة وغسان . وقد ذكرنا في التفسير أن [ ص: 109 ] فروة بن مسيك الغطيفي هو السائل عن ذلك ، كما استقصينا طرق هذا الحديث ، وألفاظهن هناك ولله الحمد .

والمقصود أن سبأ يجمع هذه القبائل كلها ، وقد كان فيهم التبابعة بأرض اليمن واحدهم تبع وكان لملوكهم تيجان يلبسونها وقت الحكم ، كما كانت الأكاسرة ملوك الفرس يفعلون ذلك ، وكانت العرب تسمي كل من ملك اليمن مع الشحر وحضرموت تبعا ، كما يسمون من ملك الشام مع الجزيرة قيصر ، ومن ملك الفرس كسرى ، ومن ملك مصر فرعون ، ومن ملك الحبشة النجاشي ، ومن ملك الهند بطليموس ، وقد كان من جملة ملوك حمير بأرض اليمن بلقيس ، وقد قدمنا قصتها مع سليمان عليه السلام ، وقد كانوا في غبطة عظيمة وأرزاق دارة وثمار وزروع كثيرة ، وكانوا مع ذلك على الاستقامة والسداد وطريق الرشاد فلما بدلوا نعمة الله كفرا ; أحلوا قومهم دار البوار .

قال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أرسل الله إليهم ثلاثة عشر نبيا ، وزعم السدي أنه أرسل إليهم اثني عشر ألف نبي . فالله أعلم .

[ ص: 110 ] والمقصود أنهم لما عدلوا عن الهدى إلى الضلال ، وسجدوا للشمس من دون الله وكان ذلك في زمان بلقيس وقبلها أيضا ، واستمر ذلك فيهم حتى أرسل الله عليهم سيل العرم ، كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور .

ذكر غير واحد من علماء السلف والخلف من المفسرين وغيرهم أن سد مأرب كان صنعته ; أن المياه تجري من بين جبلين فعمدوا في قديم الزمان فسدوا ما بينهما ببناء محكم جدا حتى ارتفع الماء فحكم على أعالي الجبلين ، وغرسوا فيهما البساتين والأشجار المثمرة الأنيقة ، وزرعوا الزروع الكثيرة . ويقال كان أول من بناه سبأ بن يعرب ، وسلط إليه سبعين واديا يفد إليه ، وجعل له ثلاثين فرضة يخرج منها الماء ، ومات ولم يكمل بناؤه فكملته حمير بعده وكان اتساعه فرسخا في فرسخ كانوا في غبطة عظيمة وعيش رغيد وأيام طيبة حتى ذكر قتادة وغيره أن المرأة كانت تمر بالمكتل على رأسها فيمتلئ من الثمار ما يتساقط فيه من نضجه وكثرته ، وذكروا أنه لم يكن في بلادهم شيء من البراغيث ولا الدواب المؤذية لصحة هوائهم وطيب فنائهم كما قال تعالى لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور وكما قال تعالى وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد . [ إبراهيم : 7 ]

[ ص: 111 ] فلما عبدوا غير الله ، وبطروا نعمته ، وسألوا بعد تقارب ما بين قراهم ، وطيب ما بينها من البساتين ، وأمن الطرقات سألوا أن يباعد بين أسفارهم ، وأن يكون سفرهم في مشاق وتعب ، وطلبوا أن يبدلوا بالخير شرا ، كما سأل بنو إسرائيل بدل المن والسلوى البقول ; والقثاء والفوم والعدس والبصل فسلبوا تلك النعمة العظيمة والحسنة العميمة بتخريب البلاد والشتات على وجوه العباد ، كما قال تعالى فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم قال غير واحد : أرسل الله على أصل السد الفار وهو الجرذ ، ويقال : الخلد . فلما فطنوا لذلك أرصدوا عندها السنانير فلم تغن شيئا إذ قد حم القدر ، ولم ينفع الحذر كلا لا وزر فلما تحكم في أصله الفساد سقط وانهار فسلك الماء القرار فقطعت تلك الجداول والأنهار ، وانقطعت تلك الثمار ، وبادت تلك الزروع والأشجار ، وتبدلوا بعدها برديء الأشجار والأثمار كما قال العزيز الجبار وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : هو الأراك وثمره البرير ، وأثل وهو الطرفاء ، [ ص: 112 ] وقيل : يشبهه وهو حطب لا ثمر له وشيء من سدر قليل وذلك لأنه لما كان يثمر النبق كان قليلا مع أنه ذو شوك كثير ، وثمره بالنسبة إليه كما يقال في المثل : لحم جمل غث على رأس جبل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقى; ولهذا قال تعالى ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور أي : إنما نعاقب هذه العقوبة الشديدة من كفر بنا وكذب رسلنا ، وخالف أمرنا ، وانتهك محارمنا ، وقال تعالى فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق وذلك أنهم لما هلكت أموالهم ، وخربت بلادهم احتاجوا أن يرتحلوا منها ، وينتقلوا عنها فتفرقوا في غور البلاد ونجدها ; أيدي سبأ شذر مذر فنزلت طوائف منهم الحجاز ، وهم خزاعة نزلوا ظاهر مكة وكان من أمرهم ما سنذكره ، ومنهم المدينة النبوية اليوم فكانوا أول من سكنها ، ثم نزلت عندهم ثلاث قبائل من اليهود; بنو قينقاع ، وبنو قريظة ، وبنو النضير فحالفوا الأوس والخزرج وأقاموا عندهم وكان من أمرهم ما سنذكره ، ونزلت طائفة أخرى منهم الشام ، وهم الذين تنصروا فيما بعد ، وهم غسان وعاملة وبهراء ولخم وجذام وتنوخ وتغلب وغيرهم ، وسنذكرهم عند ذكر فتوح الشام في زمن الشيخين رضي الله عنهما .

قال محمد بن إسحاق : حدثني أبو عبيدة قال : قال الأعشى بن قيس [ ص: 113 ] بن ثعلبة وهو ميمون بن قيس


وفي ذاك للمؤتسي أسوة     ومأرب عفى عليها العرم
رخام بنته لهم حمير إذا جاء مواره لم يرم     فأروى الزروع وأعنابها
على سعة ماؤهم إذ قسم     فصاروا أيادي لا يقدرو
ن منه على شرب طفل فطم



وقد ذكر محمد بن إسحاق في كتاب " السيرة " أن أول من خرج من اليمن قبل سيل العرم عمرو بن عامر اللخمي ، ولخم هو ابن عدي بن الحارث بن مرة بن أدد بن زيد بن هميسع بن عمرو بن عريب بن يشجب بن زيد بن كهلان بن سبأ ، ويقال : لخم بن عدي بن عمرو بن سبأ قاله ابن هشام قال ابن إسحاق : وكان سبب خروجه من اليمن فيما حدثني أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس [ ص: 114 ] عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن فكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه ، أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو : لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي ، وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن : اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله . وانتقل في ولده وولد ولده وقالت الأزد : لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك فكانت حربهم سجالا ففي ذلك قال عباس بن مرداس


وعك بن عدنان الذين تلعبوا     بغسان حتى طردوا كل مطرد

قال : فارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلاد فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ، ونزل الأوس والخزرج يثرب ، ونزلت خزاعة مرا ، ونزلت أزد السراة السراة ، ونزلت أزد عمان عمان ، ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه ، وفي ذلك أنزل الله هذه الآيات وقد روي عن السدي قريب من هذا ، وعن محمد بن إسحاق في رواية أن عمرو بن عامر كان كاهنا ، [ ص: 115 ] وقال غيره كانت امرأته طريفة بنت الخير الحميرية كاهنة فأخبرت بقرب هلاك بلادهم ، وكأنهم رأوا شاهد ذلك في الفأر الذي سلط على سدهم ففعلوا ما فعلوا . والله أعلم . وقد ذكرت قصته مطولة عن عكرمة فيما رواه ابن أبي حاتم في " التفسير " .

التالي السابق


الخدمات العلمية