صفحة جزء
[ ص: 179 ] باب ذكر بني إسماعيل

وما كان من أمور الجاهلية إلى زمان البعثة

تقدم ذكر إسماعيل نفسه عليه السلام مع ذكر الأنبياء ، وكيف كان من أمره حين احتمله أبوه ابراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام مع أمه هاجر فأسكنها بوادي مكة بين جبال فاران حيث لا أنيس به ولا حسيس وكان إسماعيل رضيعا ، ثم ذهب وتركهما هنالك عن أمر الله له بذلك ، ليس عند أمه سوى جراب فيه تمر ، ووكاء فيه ماء فلما نفد ذلك أنبع الله لهاجر زمزم التي هي طعام طعم ، وشفاء سقم كما تقدم بيانه في حديث ابن عباس الطويل الذي رواه البخاري رحمه الله ، ثم نزلت جرهم ، وهي طائفة من العرب العاربة من أمم العرب الأقدمين عند هاجر بمكة على أن ليس لهم في الماء شيء إلا ما يشربون منه ، وينتفعون به فاستأنست هاجر بهم ، وجعل الخليل عليه السلام يطالع أمرهم في كل حين يقال : إنه كان يركب البراق من بلاد بيت المقدس في ذهابه وإيابه ، ثم لما ترعرع الغلام وشب ، وبلغ مع أبيه السعي كانت قصة الذبح كما تقدم بيان أن الذبيح هو [ ص: 180 ] إسماعيل على الصحيح .

ثم لما كبر تزوج من جرهم امرأة ثم فارقها وتزوج غيرها ، وتزوج بالسيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهمي ، وجاءته بالبنين الاثني عشر كما تقدم ذكرهم ، وهم نابت وقيذر وميشا ومسمع وماشى ودما وأدر ويطور ونبش وطيما وقيذما ، هكذا ذكره محمد ابن إسحاق وغيره عن كتب أهل الكتاب ، وله ابنة واحدة اسمها نسمة ، وهي التي زوجها من ابن أخيه العيص بن إسحاق بن ابراهيم فولد له منها الروم واليونان والأشبان أيضا في أحد القولين .

ثم جميع عرب الحجاز على اختلاف قبائلهم يرجعون في أنسابهم إلى ولديه نابت وقيذر وكان الرئيس بعده والقائم بالأمور الحاكم في مكة والناظر في أمر البيت وزمزم : نابت بن إسماعيل وهو ابن أخت الجرهميين ، ثم تغلبت جرهم على البيت طمعا في بني أختهم فحكموا بمكة وما والاها عوضا عن بني إسماعيل مدة طويلة فكان أول من صار إليه أمر البيت بعد نابت مضاص بن عمرو بن سعد بن الرقيب بن هين بن نبت بن جرهم ، وجرهم بن قحطان ، ويقال : جرهم بن يقطن بن عيبر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح الجرهمي وكان نازلا بأعلى مكة بقعيقعان وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه في أسفل [ ص: 181 ] مكة ، وكل منهما يعشر من مر به مجتازا إلى مكة ثم وقع بين جرهم ، وقطوراء فاقتتلوا فقتل السميدع ، واستوثق الأمر لمضاض وهو الحاكم بمكة والبيت لا ينازعه في ذلك ولد إسماعيل مع كثرتهم وشرفهم ، وانتثارهم بمكة وبغيرها ، وذلك لخئولتهم له ، ولعظمة البيت الحرام ، ثم صار الملك بعده إلى ابنه الحارث ، ثم إلى عمرو بن الحارث ، ثم بغت جرهم بمكة ، وأكثرت فيها الفساد ، وألحدوا بالمسجد الحرام حتى ذكر أن رجلا منهم يقال : له إساف بن بغي ، وامرأة يقال لها : نائلة بنت وائل اجتمعا في الكعبة فكان منه إليها الفاحشة فمسخهما الله حجرين فنصبهما الناس قريبا من البيت ليعتبروا بهما فلما طال المطال بعد ذلك بمدد ، عبدا من دون الله في زمن خزاعة كما سيأتي بيانه في موضعه فكانا صنمين منصوبين يقال لهما : إساف ونائلة فلما أكثرت جرهم البغي بالبلد الحرام تمالأت عليهم خزاعة الذين كانوا نزلوا حول الحرم كانوا من ذرية عمرو بن عامر الذي خرج من اليمن لأجل ما توقع من سيل العرم كما تقدم ، وقيل : إن خزاعة من بني إسماعيل فالله أعلم .

والمقصود أنهم اجتمعوا لحربهم وآذنوهم بالحرب واقتتلوا ، واعتزل بنو إسماعيل كلا الفريقين فغلبت خزاعة ، وهم بنو بكر بن عبد مناة وغبشان [ ص: 182 ] وأجلوهم عن البيت فعمد عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي - وهو سيدهم - إلى غزالي الكعبة - وهما من ذهب - وحجر الركن - وهو الحجر الأسود - وإلى سيوف محلاة ، وأشياء أخر فدفنها في زمزم وعلم زمزم ، وارتحل بقومه فرجعوا إلى اليمن ، وفي ذلك يقول عمرو بن الحارث بن مضاض


وقائلة والدمع سكب مبادر وقد شرقت بالدمع منها المحاجر     كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا
أنيس ولم يسمر بمكة سامر     فقلت لها والقلب مني كأنما
يلجلجه بين الجناحين طائر     بلى نحن كنا أهلها فأزالنا
صروف الليالي والجدود العواثر     وكنا ولاة البيت من بعد نابت
نطوف بذاك البيت والخير ظاهر     ونحن ولينا البيت من بعد نابت
بعز فما يحظى لدينا المكاثر     ملكنا فعززنا فأعظم بملكنا
فليس لحي غيرنا ثم فاخر     ألم تنكحوا من خير شخص علمته
فأبناؤه منا ونحن الأصاهر     فإن تنثن الدنيا علينا بحالها
فإن لها حالا وفيها التشاجر     فأخرجنا منها المليك بقدرة
كذلك يا للناس تجري المقادر [ ص: 183 ]     أقول إذا نام الخلي ولم أنم
أذا العرش لا يبعد سهيل وعامر     وبدلت منها أوجها لا أحبها
قبائل منها حمير ويحابر     وصرنا أحاديثا وكنا بغبطة
بذلك عضتنا السنون الغوابر     فسحت دموع العين تبكي لبلدة
بها حرم أمن وفيها المشاعر     وتبكي لبيت ليس يؤذى حمامه
يظل به أمنا وفيه العصافر .     وفيه وحوش لا ترام أنيسة
إذا خرجت منه فليست تغادر

قال ابن إسحاق وقال عمرو بن الحارث بن مضاض - أيضا - يذكر بني بكر وغبشان الذين خلفوا بعدهم بمكة


يا أيها الناس سيروا إن قصركم     أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا
حثوا المطي وأرخوا من أزمتها     قبل الممات وقضوا ما تقضونا
كنا أناسا كما كنتم فغيرنا     دهر فأنتم كما صرنا تصيرونا

قال ابن هشام هذا ما صح له منها ، وحدثني بعض أهل العلم بالشعر أن هذه الأبيات أول شعر قيل في العرب ، وأنها وجدت مكتوبة في حجر باليمن ، ولم يسم قائلها ، وذكر السهيلي لهذه الأبيات إخوة وحكى [ ص: 184 ] عندها حكاية معجبة ، وإنشادات معربة قال : وزاد أبو الوليد الأزرقي في كتابه " فضائل مكة " على هذه الأبيات المذكورة المنسوبة إلى عمرو بن الحارث بن مضاض


قد مال دهر علينا ثم أهلكنا     بالبغي فينا وبز الناس ناسونا
إن التفكر لا يجدي بصاحبه     عند البديهة في علم له دونا
قضوا أموركم بالحزم إن لها     أمور رشد رشدتم ثم مسنونا
واستخبروا في صنيع الناس قبلكم     كما استبان طريق عنده الهونا
كنا زمانا ملوك الناس قبلكم     بمسكن في حرام الله مسكونا



التالي السابق


الخدمات العلمية