صفحة جزء
[ ص: 320 ] ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة

في عاشر المحرم منها عملت الروافض بدعتهم الشنعاء ، فغلقت الأسواق ، وتعطلت المعايش ، ودارت النساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن علي ويلطمن وجوههن ، والمسوح معلقة في الأسواق ، والتبن مذرور فيها .

وفيها دخلت الروم الملاعين أنطاكية فنفوا من أهلها الشيوخ والعجائز ، وسبوا من النساء والأطفال نحوا من عشرين ألفا ; وذلك كله بتدبير ملك الأرمن نقفور ، لعنه الله .

قال ابن الجوزي : وكان قد قهر وطغا وتمرد ، وقد تزوج مع ذلك بامرأة الملك الذي كان قبله ، ولها منه ابنان ، فأراد أن يخصيهما ويجعلهما في الكنيسة ; لئلا يصلحا بعد ذلك للملك ، فلما فهمت ذلك أمهما عملت عليه ، وسللت عليه الأمراء ، فقتلوه وهو نائم ، وملكوا عليهم أكبر ولديها .

وفي ربيع الأول صرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار ، وأعيد إليه أبو [ ص: 321 ] محمد بن معروف .

قال ابن الجوزي : وفي هذه السنة نقصت دجلة حتى غارت الآبار . وحج بالناس الشريف أبو أحمد النقيب .

قال : وانقض كوكب في ذي الحجة ، فأضاءت منه الدنيا حتى بقي له شعاع كالشمس ، ثم سمع له صوت كالرعد .

قال ابن الأثير : وفي المحرم من هذه السنة خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الذي سيره جوهر القائد من مصر إلى الشام فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد الله بن طغج بالرملة ، فغلبه ابن فلاح ، وأسره وسيره إلى جوهر ، فأرسله جوهر إلى المعز وهو بإفريقية ، واستقرت يد الفاطميين على دمشق أيضا بعد حروب يطول ذكرها ، تطاول أمرها إلى آخر هذه السنة .

وفي هذه السنة وقعت المنافرة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ابنه أبي تغلب ، وسببه أنه لما مات معز الدولة بن بويه ببغداد ، عزم أبو تغلب ومن وافقه من أهل بيته على الدخول إلى بغداد وأخذ مملكة العراق ، فقال لهم أبوهم : إن [ ص: 322 ] معز الدولة قد ترك لابنه أموالا جزيلة ، لا تقدرون عليه ما دامت في يده ، ولكن اصبروا حتى ينفقها فإنه مبذر ، فإذا أفلس فثوروا عليه ، فإنكم تغلبونه لا محالة . فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب ذلك ، ولم يزل بأبيه حتى سجنه بالقلعة ، فاختلف أولاده بينهم ، وصاروا أحزابا ، وضعفوا عن حفظ ما بأيديهم حتى بعث أبو تغلب إلى عز الدولة فضمن منه بلاد الموصل بألف ألف درهم كل سنة يحملها إليه ، واتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة ، واستقر أبو تغلب بالموصل وملكها ، إلا أنهم فيما بينهم مختلفون متحاربون .

وفي هذه السنة دخل ملك الروم إلى طرابلس فأحرق كثيرا منها ، وملك قلعة عرقة ونهبها وسبى أهلها وكان في قلعتها صاحب طرابلس كان لجأ إليها حين أخرجه أهل طرابلس منها لشدة ظلمه ، فأسرته الروم ، واستحوذوا على جميع أمواله وحواصله ، وكانت كثيرة جدا ، ثم مالوا على السواحل ، فملكوا ثمانية عشر منبرا سوى القرى ، وتنصر خلق كثير على أيديهم ، لعنهم الله تعالى .

وجاءوا إلى حمص فحرقوا ونهبوا . ومكث ملك الروم شهرين يأخذ ما شاء من البلاد ، ويأسر من قدر عليه من العباد ، وصارت له مهابة عظيمة في قلوب الناس ، ثم عاد إلى بلاده ومعه من السبي نحو من مائة ألف صبي وصبية ، وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه واشتياقهم إلى أولادهم [ ص: 323 ] وأهليهم وأوطانهم .

وبعث سرية إلى الجزيرة فنهبوا وسبوا ، وكان قرعويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على حلب وأخرج منها ابن أستاذه أبا المعالي شريف بن سيف الدولة ، فسار إلى حران وهي تحت حكمه ، فأبوا أن يدخلوه إليهم ، فذهب إلى أمه بميافارقين ، وهي ابنة سعيد بن حمدان ، فمكث عندها حينا ، ثم سار إلى حماة فملكها ، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سنذكره فيما بعد .

ولما عاثت الروم في هذه السنة بالشام صانعهم قرعويه عن حلب وبعث إليهم بأموال وتحف ، ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها وقتلوا خلقا كثيرا منها ، وسبوا عامة أهلها ، وركبوا إلى حلب وأبو المعالي شريف محاصر غلامهم قرعويه بها ، فخافهم أبو المعالي ، فهرب عنها ، وحاصرها الروم ، فأخذوا البلد ، وامتنعت القلعة عليهم ، ثم اصطلحوا مع قرعويه على هدنة مؤبدة ومال يحمله إليهم كل سنة ، وسلموا إليه البلد ، ورجعوا عنه .

وفي هذه السنة خرج على المعز الفاطمي وهو بإفريقية رجل يقال له : أبو خزر ، فنهض إليه المعز بنفسه وجنوده ، فهرب منه فأرسل في طلبه يوسف بن بلكين بن زيري ، فشرده ، وطرده ، ثم عاد فاستأمن ، فقبل منه المعز ذلك وصفح عنه ، وجاء الرسول من جوهر القائد إلى المعز في هذه السنة يبشره بفتح الديار [ ص: 324 ] المصرية وإقامة الدعوة له بها ، وطلبه إليها ، ففرح بذلك المعز الفاطمي فرحا شديدا ، وامتدحه الشعراء ، فكان ممن امتدحه شاعره محمد بن هانئ في قصيدة أولها :


يقول بنو العباس هل فتحت مصر فقل لبني العباس قد قضي الأمر

وذكر ابن الأثير أن في هذه السنة توفي النقفور الذي كان دمستقا ، ثم صار ملك الروم ، وأراد قتل ابني الملك الذي كان قبله ، فغارت أمهما لهما ، فقتلته غيلة . قال : وقد كان هذا اللعين من أبناء المسلمين ، كان أبوه من أهل طرسوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقاس ، فتنصر ولده هذا وحظي عند النصارى حتى صار من أمره ما صار ، وكان من أشد الناس على المسلمين ، وقد أخذ بلادا كثيرة عنوة ، من ذلك طرسوس وأذنة ، وعين زربة ، والمصيصة ، وغير ذلك من البلاد ، وقتل خلقا كثيرا لا يعلمهم إلا الله عز وجل ، وسبى من المسلمين والمسلمات ما لا يعلم عددهم إلا الذي خلقهم . وهذا اللعين هو الذي بعث تلك القصيدة إلى المطيع لله وقد أوردناها في آخر الجزء الذي قبل هذا في سنة خمس وخمسين وثلاثمائة ، ثم انتدب لها فيما بعد ذلك الفقيه الإمام أبو محمد بن حزم الظاهري ، فأجاب عنها جوابا شافيا كافيا ، فجزاه الله عن الإسلام خيرا .

[ ص: 325 ] وفيها رام عز الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين فلم يقدر عليه ، فصالحه ورجع إلى بغداد .

وفيها اصطلح قرعويه وأبو المعالي شريف ، فخطب له قرعويه بحلب ، وخطبا جميعا في معاملتيها للمعز الفاطمي بحلب وحمص ، وخطب بمكة للمطيع لله وللقرامطة أيضا ، وبالمدينة للمعز الفاطمي ، وخطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع لله .

التالي السابق


الخدمات العلمية