صفحة جزء
وممن توفي فيها من الأعيان : الشيخ إبراهيم الصياح ، وهو إبراهيم بن منير البعلبكي ، كان مشهورا بالصلاح ، وكان مقيما بالمئذنة الشرقية ، توفي ليلة الأربعاء مستهل المحرم ، ودفن بالباب الصغير ، وكانت جنازته حافلة ، وحمله الناس على [ ص: 258 ] الرءوس والأصابع ، وكان ملازما لمجلس الشيخ تقي الدين ابن تيمية . إبراهيم الموله ، الذي يقال له : القميني لإقامته بالقمامين خارج باب شرقي ، وربما كاشف بعض شيء ، ومع هذا لم يكن من أهل الصلاة ، وقد استتابه الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وضربه على ترك الصلاة ، ومخالطة القاذورات ، وجمع النساء والرجال حوله في الأماكن النجسة ، توفي كهلا في هذا الشهر .

الشيخ عفيف الدين أحمد بن محمد بن عمر بن عثمان بن عمر الصقلي ثم الدمشقي ، إمام مسجد الرأس ، آخر من حدث عن ابن الصلاح ببعض " سنن البيهقي " ، سمعنا عليه شيئا منها ، توفي في صفر .

الشيخ الصالح العابد الزاهد الناسك عبد الله بن موسى بن أحمد الجزري ، الذي كان مقيما بمشهد أبي بكر من جامع دمشق ، كان من الصالحين الكبار ، مباركا خيرا ، عليه سكينة ووقار ، وكانت له مطالعة كثيرة ، وله فهم جيد وعقل صحيح ، وكان من الملازمين لمجالس الشيخ تقي الدين ابن تيمية ، وكان ينقل من كلامه أشياء كثيرة ويفهمها ، يعجز عنها كبار الفقهاء ، [ ص: 259 ] توفي يوم الاثنين سادس عشرين صفر ، وصلي عليه بالجامع ، ودفن بباب الصغير ، وكانت جنازته حافلة محمودة .

الشيخ الصالح الكبير المعمر الرجل الصالح ، تقي الدين ابن الصائغ المقرئ المصري الشافعي ، آخر من بقي من مشايخ القراء ، وهو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الخالق بن علي بن سالم بن مكي ، توفي في صفر ، ودفن بالقرافة ، وكانت جنازته حافلة ، قارب التسعين ولم يبق له منها سوى سنة واحدة ، وقد قرأ عليه غير واحد ، وهو ممن طال عمره وحسن عمله .

الشيخ الإمام صدر الدين أبو زكريا يحيى بن علي بن تمام بن موسى الأنصاري السبكي الشافعي ، سمع الحديث ، وبرع في الأصول والفقه ، ودرس بالسيفية ، وباشرها بعده ابن أخيه تقي الدين السبكي الذي تولى قضاء الشام فيما بعد .

الشهاب محمود ، هو الصدر الكبير ، الشيخ الإمام ، العالم العلامة ، شيخ صناعة الإنشاء ، الذي لم يكن بعد القاضي الفاضل مثله في صنعة الإنشاء ، وله خصائل ليست للفاضل ، من كثرة النظم والقصائد المطولة الحسنة البليغة ، فهو شهاب الدين أبو الثناء محمود بن سلمان بن فهد الحلبي ثم الدمشقي ، ولد [ ص: 260 ] سنة أربع وأربعين وستمائة بحلب ، وسمع الحديث ، وعني باللغة والأدب والشعر ، وكان كثير الفضائل ، بارعا في علم الإنشاء نظما ونثرا ، وله في ذلك كتب ومصنفات حسنة فائقة ، وقد مكث في ديوان الإنشاء نحوا من خمسين سنة ، ثم عمل كتابة السر بدمشق نحوا من ثماني سنين إلى أن توفي ليلة السبت ثاني عشرين شعبان في منزله قرب باب الناطفانيين ، وهي دار القاضي الفاضل ، وصلي عليه بالجامع ، ودفن بتربة له أنشأها بالقرب من اليغمورية ، وقد جاوز الثمانين ، رحمه الله تعالى .

شيخنا المسند المعمر الرحلة ، عفيف الدين إسحاق بن يحيى بن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل الآمدي ثم الدمشقي الحنفي ، شيخ دار الحديث الظاهرية ، ولد في حدود الأربعين وستمائة ، وسمع الحديث على جماعة كثيرين منهم يوسف بن خليل ، ومجد الدين ابن تيمية ، وكان شيخا حسنا بهي المنظر ، سهل الإسماع ، يحب الرواية ، ولديه فضيلة ، توفي ليلة الاثنين ثاني عشرين رمضان ، ودفن بقاسيون ، وهو والد فخر الدين ناظر الجيوش والجامع .

وقبله بيوم توفي الصدر معين الدين يوسف بن زغيب الرحبي ، أحد كبار التجار الأمناء .

[ ص: 261 ] وفي رمضان توفي البدر العوام ، وهو محمد بن علي البابا الحلبي ، وكان فردا في العوم وطيب الأخلاق ، انتفع به جماعة من التجار في بحر اليمن ، كان معهم فغرق بهم المركب ، فلجئوا إلى صخرة في البحر ، فكانوا عليها ، فخلصهم الله عز وجل على يديه واحدا واحدا إلى الساحل ، وكانوا ثلاثة عشر ، ثم إنه غطس فاستخرج لهم أموالا من قرار البحر بعد أن أفلسوا وكادوا أن يهلكوا ، وكان فيه ديانة وصيانة ، وقد قرأ القرآن ، وحج عشر مرات ، وعاش ثمان وثمانين سنة ، رحمه الله ، وكان يسمع الشيخ تقي الدين ابن تيمية كثيرا .

وفيه توفي الشهاب أحمد بن عثمان الأمشاطي ، الأديب في الأزجال ، والموشحات ، والمواليا ، والدوبيت ، والبلاليق ، وكان أستاذ أهل هذه الصناعة ، مات في عشر الستين .

القاضي الإمام العالم الزاهد ، صدر الدين سليمان بن هلال بن شبل بن فلاح بن خصيب الجعفري الشافعي ، المعروف بخطيب داريا ، ولد سنة ثنتين [ ص: 262 ] وأربعين وستمائة بقرية بسرا من عمل السواد ، وقدم مع والده ، فقرأ بالصالحية على الشيخ نصر بن عبيد ، وسمع الحديث ، وتفقه على الشيخ محيي الدين النووي ، والشيخ تاج الدين الفزاري ، وتولى خطابة داريا ، وأعاد بالناصرية ، وتولى نيابة القضاء لابن صصرى مدة ، وكان متزهدا لا يتنعم بحمام ولا كتان ولا غيره ، ولم يغير ما اعتاده في البر ، وكان متواضعا ، وهو الذي استسقى بالناس في سنة تسع عشرة ، فسقوا كما ذكرنا ، وكان يذكر له نسبا إلى جعفر الطيار ، بينهما ثلاثة عشر أبا ، ثم ولي خطابة العقيبة ، فترك نيابة الحكم ، وقال : هذه تكفي . إلى أن توفي ليلة الخميس ثامن ذي القعدة ، ودفن بباب الصغير ، وكانت جنازته مشهودة ، رحمه الله . وتولى بعده الخطابة ولده شهاب الدين أحمد .

ابن صبيح المؤذن ، الرئيس بالعروس بجامع دمشق مع البرهان ، وهو بدر الدين أبو عبد الله محمد بن صبيح بن عبد الله التفليسي ، مولاهم المقرئ المؤذن ، كان من أحسن الناس صوتا في زمانه ، [ ص: 263 ] وأطيبهم نغمة ، ولد سنة ثنتين وخمسين وستمائة تقريبا ، وسمع الحديث في سنة سبع وخمسين ، وممن سمع عليه ابن عبد الدائم وغيره من المشايخ ، وحدث ، وكان رجلا حسنا ، أبوه مولى لامرأة اسمها شامة بنت كامل الدين التفليسي ، امرأة فخر الدين الكرخي ، وباشر مشارفة الجامع وقراءة المصحف ، وأذن عند نائب السلطنة مدة ، وتوفي في ذي الحجة بالطواويس ، وصلي عليه بجامع العقيبة ، ودفن بمقابر باب الفراديس .

خطاب باني خان خطاب ، الذي بين الكسوة وغباغب ، الأمير الكبير عز الدين خطاب بن محمود بن مرتعش العراقي ، كان شيخا كبيرا له ثروة من المال كبيرة ، وأملاك وأموال ، وله حمام بحكر السماق ، وقد عمر الخان المشهور به بعد موته إلى ناحية الكتف المصري ، مما يلي غباغب ، وهو بمرج الصفر ، وقد حصل لكثير من المسافرين به رفق ، توفي في تاسع عشر ربيع الآخر ، ودفن بتربته بسفح قاسيون ، رحمه الله تعالى .

وفي ذي القعدة منها توفي رجل آخر اسمه ركن الدين خطاب بن الصاحب كمال الدين أحمد ابن أخت ابن خطاب الرومي السيواسي ، له خانقاه ببلده [ ص: 264 ] بسيواس ، عليها أوقاف كثيرة وبر وصدقة ، توفي وهو ذاهب إلى الحجاز الشريف بالكرك ، ودفن بالقرب من جعفر وأصحابه بمؤتة ، رحمه الله .

وفي العشر الأخير من ذي القعدة توفي بدر الدين أبو عبد الله محمد بن كمال الدين أحمد بن أبي الفتح بن أبي الوحش أسد بن سلامة بن سلمان بن فتيان الشيباني ، المعروف بابن العطار ، ولد سنة سبعين ، وسمع الحديث الكثير ، وكتب الخط المنسوب ، واشتغل " بالتنبيه " ، ونظم الشعر ، وولي كتابة الدرج ، ثم نظر الجيش ونظر الأشراف ، وكانت له حظوة في أيام الأفرم ، ثم حصل له خمول قليل ، وكان مترفا منعما ، له ثروة ، ورياسة ، وتواضع ، وحسن سيرة ، ودفن بسفح قاسيون بتربتهم ، رحمه الله .

القاضي محيي الدين أبو محمد الحسن بن محمد بن عمار بن متوج الحارثي ، قاضي الزبداني مدة طويلة ، ثم ولي قضاء الكرك ، وبها مات في العشرين من ذي الحجة ، وكان مولده سنة خمس وأربعين وستمائة ، وقد سمع الحديث واشتغل ، وكان حسن الأخلاق متواضعا ، وهو والد الشيخ جمال الدين بن قاضي الزبداني مدرس الظاهرية ، رحمه الله .

التالي السابق


الخدمات العلمية